تشهد الضفة الغربية، وبشكل خاص مدينة الخليل ومحيطها، تصعيدًا ميدانيًا ملحوظًا من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، يتخذ شكل اقتحامات متكررة للمنازل، واعتقالات، واستفزازات دينية في قلب الأحياء السكنية الفلسطينية. الاقتحام الذي وقع اليوم في مدينة الخليل وبلدة السموع جنوبًا، يعكس نمطًا متصاعدًا من السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تعزيز السيطرة الميدانية وفرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة في ظل التوتر الإقليمي واستمرار العدوان على قطاع غزة.
بث الرعب والإذلال
التوقيت والسياق الأمني والسياسي لهذه الاقتحامات يكشف عن دلالات أعمق من مجرد عمليات تفتيش أو “أنشطة روتينية” كما تصفها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فالاقتحام المتكرر للخليل، المدينة التي تُعد من أكثر مدن الضفة حساسية بسبب وجود المستوطنين في قلب أحيائها، يشير إلى نوايا أمنية وسياسية مزدوجة: من جهة، محاولة كسر الحاضنة الاجتماعية لأي شكل من أشكال المقاومة، ومن جهة أخرى، توفير غطاء عسكري للمستوطنين لتوسيع نفوذهم وتنفيذ طقوسهم الدينية في مواقع فلسطينية، ضمن مشروع أوسع للتهويد التدريجي.
استهداف المنازل وعبث الجنود بمحتوياتها، دون اعتقالات تُذكر في بعض الأحيان، يبدو وكأنه يهدف إلى بث الرعب والإذلال، وليس فقط “جمع معلومات أمنية”. ففي الحالة الفلسطينية، يتحول البيت إلى مساحة رمزية للكرامة والصمود، واستهدافه المتكرر يُعتبر محاولة مباشرة لكسر الروح المعنوية للفلسطينيين، وتجريدهم من الشعور بالأمان في أبسط أشكاله.
الاقتحامات التي رافقها أداء مستوطنين لطقوس تلمودية داخل بلدة السموع، تعكس انتقال أدوات السيطرة الإسرائيلية من المستوى العسكري إلى المستوى العقائدي-الاستيطاني، حيث يصبح المشهد امتزاجًا واضحًا بين العقيدة الدينية التوراتية والمشروع السياسي الاستيطاني. فإحياء طقوس تلمودية في مناطق مأهولة بالفلسطينيين، تحت حماية جنود الاحتلال، لا يمكن فصله عن محاولات فرض “الهوية اليهودية” على الأماكن الفلسطينية، في تناقض صارخ مع القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر على قوة الاحتلال إجراء تغييرات ديمغرافية أو دينية في الأراضي التي تحتلها.
ترسيخ صورة الاحتلال
هذا السلوك لا يعبّر عن ممارسات فردية أو إجراءات أمنية معزولة، بل يُشكّل جزءًا من سياسة ممنهجة تُدار من أعلى هرم المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، في ظل بيئة دولية متساهلة، وواقع إقليمي متردٍ، وعجز فلسطيني رسمي عن توفير حماية فعالة للسكان. فالاقتحامات والاعتداءات ليست سوى أدوات تنفيذ ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل المشهد الجغرافي والديمغرافي للضفة، وتحديدًا في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة.
علاوة على ذلك، فإن هذه الهجمات، رغم أنها تبدو متفرقة، تأتي كجزء من تصعيد مدروس يهدف إلى توسيع “هامش الردع”، ومنع تحول الضفة إلى ساحة انتفاضة شعبية شاملة قد تشتعل على وقع ما يحدث في قطاع غزة. ويُلاحظ أن الاقتحامات غالبًا ما تُنفذ في أوقات مبكرة من النهار أو أثناء صلاة الفجر، وهي أوقات رمزية تهدف إلى ترسيخ صورة الاحتلال “الكلّي”، القادر على اقتحام الحياة اليومية في أكثر لحظاتها خصوصية.
تفكيك البنية المجتمعية الفلسطينية
وفي المقابل، فإن رد الفعل الفلسطيني الشعبي، المتمثل بالصمود والتنديد والمواجهات المتفرقة، ما زال غير كافٍ لردع هذه الانتهاكات، في ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة، أو تحرك سياسي فاعل على الساحة الدولية. ومن هنا، فإن هذه الممارسات ليست مجرد اعتداءات موضعية، بل إشارات إنذار مبكر لتحولات أكثر خطورة في طبيعة السيطرة الإسرائيلية، قد تتجه نحو إعادة تعريف الضفة الغربية بوصفها منطقة أمنية-استيطانية، لا منطقة مؤهلة لإقامة دولة فلسطينية.
حملات الاقتحام والاعتقال في الضفة الغربية لم تعد تندرج في إطار الإجراءات الأمنية فحسب، بل أصبحت أداة استراتيجية بيد الاحتلال، تهدف إلى تفكيك البنية المجتمعية الفلسطينية، وفرض وقائع ميدانية على الأرض، تمهيدًا لمشروع تهويد طويل الأمد، تزداد وتيرته في ظل صمت المجتمع الدولي، وتشظي الموقف العربي، وانشغال القيادة الفلسطينية بملفات داخلية.




