في عمق الصحراء، حيث يمتد سجن النقب كجُرح مفتوح على خارطة القهر، يعيش مئات الأسرى الفلسطينيين واقعًا يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ويتجاوز حدود المعاناة إلى ما يُشبه العقاب الجماعي الممنهج. خلف الأسوار العالية والكاميرات الصامتة، تُختزل الإنسانية في وجبة غير صالحة، وغطاء لا يكفي، ودواء مفقود، و”فورة” تُمنح كما تُمنح الصدقات. في هذا المكان المعزول، تتكشّف حكايات من الألم والإهمال والإذلال، يرويها أسرى ينتظرون لا محاكمة ولا إفراج، بل مجرد اعتراف بأنهم بشر.
اعتقال بلا تهمة
في ركنٍ معتم من سجن النقب الصحراوي، يعيش عمرو محمد منصور، أسير فلسطيني في الثامنة والثلاثين من عمره، أيامه بلا تهمة، بلا محاكمة، وبلا وضوح. اعتقل إداريًا في يناير 2025، ولا يزال ينتظر أن يعرف السبب. لم توجه له سلطات الاحتلال أي اتهام، ولم يخضع لتحقيق، ومع ذلك، مُدد اعتقاله مرتين، وكأن الزمن نفسه حُكم عليه بالسجن دون وجه حق.
يعاني عمرو من نوبات صداع شديدة ناجمة عن مرض “الشقيقة”، نوبات تُفقده القدرة على الوقوف أو التفكير، تُهاجمه في عزّ عتمة الزنزانة أو في صمت القيد، لكنه لا يجد من يُنصت لألمه. يُنقل أحيانًا إلى العيادة، لا ليُعالج، بل ليُسجّل اسمه ويُعاد إلى معاناته. دمامل وآثار إصابة بمرض الإسكابيوس تنتشر على جسده، لكن الرعاية الطبية تظل وهمًا بعيدًا في صحراء السجن.
فقدان أساسيات الحياة
وفي زنزانة أخرى، يقطن محمد رائد عطون، شاب مقدسي لم يتجاوز الثانية والعشرين، يقضي عامين من عمره خلف القضبان منذ يناير الماضي. حالته الصحية “مستقرة” كما يصفها محامي الهيئة، لكن الاستقرار داخل جدران تغتال الوقت لا يعني السلام، بل الركود. محمد يحاول أن يتشبث بحلمه، أن يتذكر وجوه أحبته، أن يكتب أحرفًا في عقله كي لا ينسى لغته خارج الزنزانة.
أما أحمد عبد المحسن، ويعقوب حسين، ويامن أبو بكر، فكلّهم تحت سيف الاعتقال الإداري، دون محاكمة، دون محامٍ يدافع عنهم في قاعة محكمة، ودون أن يعرفوا متى تنتهي هذه الصفحة المعتمة من حياتهم. كل ما لديهم هو الانتظار، وشظايا الوقت، وصدى الأخبار التي تصلهم ببطء عبر الجدران.
في هذا المكان الذي لا يتسع للحياة، يعاني الجميع من فقدان الأساسيات. الطعام قليل، سيئ، أحيانًا فاسد. الماء الساخن مفقود، السكر والملح والقهوة أحلام مؤجلة، والسجائر عملة نادرة تُتبادل كأنها كنز. كل “فورة” تأتي مرة كل أسبوع أو أسبوعين، لبضع دقائق، بالكاد تكفي للاستحمام، أو شم نسمة حرية ملوثة بالقيود.
إهانات ممنهجة
الغرف التي يفترض أن تكون للنوم والراحة، أصبحت زنازين مكتظة، تضم بين عشرة واثني عشر أسيرًا، بلا أغطية كافية، ولا ملابس دافئة، ولا فسحة لراحة الجسد. التفتيشات اليومية، المهينة، حيث يُجبر الأسرى على الركوع وتُقيّد أيديهم إلى الخلف، تحوّلت إلى طقس من طقوس الإذلال، يختبر فيها الإنسان حدود صبره، وكرامته.
ليس الجوع وحده ما ينخر أجساد الأسرى، بل الإهانة الممنهجة، والعزلة، والبرد، والنقص في الدواء، والانتهاك اليومي لإنسانيتهم. معظمهم فقدوا ما بين 20 إلى 30 كيلوغرامًا من أوزانهم، لا بسبب الحمية، بل لأن السجن قرر أن يأخذ حتى اللحم من عظامهم.
في سجن النقب، القصص لا تُروى بكلمات فقط، بل بعيون حمراء من السهر، بظهور انحنت تحت الضربات، وأرواح مُنهكة من الانتظار. هناك، حيث الوقت لا يمر، وحيث الضمير الدولي صامت، يتآكل الإنسان على مهل، في صمتٍ يُشبه القتل، لكنه لا يُحدث صوتًا.






