مشاهد هدم منازل الفلسطينيين في مدن وقرى الضفة الغربية، لها دلالات واضحة، على أن الاحتلال الإسرائيلي، يرغب في تفريغ وتهجير السكان، وتغيير الخريطة الجغرافية، وهي الخطة التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية، للاستيلاء على الأراضي المحتلة.
ولكن، الأخطر من ذلك، هو قيام قوات الاحتلال، بإجبار السكان على هدم منازلهم بأيديهم، وهو ما يعكس الرغبة في ترسيخ حالة القهر، وتدمير النسيج المجتمعي. وخلال الفترة الأخيرة، صعّد الاحتلال سياسة هدم المنازل، وكثف خلال الأسبوع الماضي، تنفيذ أوامر الهدم في عدة أحياء فلسطينية، بحجة البناء دون ترخيص.
إجبار على الهدم
ولعل حي “بيت حنينا” أبرز مثال على هذا التصعيد، بعد أن أُجبرت عائلة مكونة من ستة إخوة وعائلاتهم على تنفيذ هدم ذاتي لمبناها السكني، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تفرضها سلطات الاحتلال على السكان الفلسطينيين.
المفارقة المؤلمة في هذه الممارسات، لا تقتصر فقط على فقدان المأوى، بل تشمل الطريقة التي تدار بها هذه السياسات، والرغبة في قيام السكان بتنفيذ الهدم بأيديهم، أو مواجهة عقوبات مالية قاسية تصل إلى مئات آلاف الشواكل، ففي حالة بيت حنينا، أبلغت السلطات العائلة بوجوب تقديم صور توثق عملية الهدم، وإلا فستقوم الجرافات الإسرائيلية بذلك، وتحملهم غرامة مالية تقدر بـ 230 ألف شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات الفلسطينية المتضررة.
تدمير نفسي ومعنوي
هذا الأسلوب، الذي يجبر السكان على المساهمة في تنفيذ الهدم، يضاعف من الأثر النفسي والاجتماعي عليهم، ويجعلهم شركاء قسرًا في تدمير منازلهم، ولا تقتصر هذه السياسات على بيت حنينا، بل طالت أحياء أخرى معروفة بكثافتها السكانية الفلسطينية وتاريخها في مواجهة محاولات التهويد والاستيطان.
في كثير من هذه الحالات، يضطر السكان إلى هدم منازلهم بأنفسهم، في محاولة لتقليل حجم الخسائر المالية، رغم أن الخسارة الحقيقية تكمن في فقدان الاستقرار الاجتماعي، أما في الحالات التي لا يتم فيها الهدم الذاتي، تتدخل السلطات الإسرائيلية بالجرافات والآليات الثقيلة، دون النظر إلى تداعيات ذلك على العائلات أو الأطفال أو المسنين، الذين يتركون فجأة بلا مأوى.
التصعيد الإسرائيلي لم يكن وليد اللحظة، بل يأتي ضمن نمط طويل الأمد، من السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى تغيير الطابع الديمغرافي للقدس الشرقية، من خلال فرض قيود تعجيزية على إصدار تراخيص البناء للفلسطينيين، ورفض مخططات التنظيم، وتوسيع الاستيطان.
إعادة تشكيل المشهد السكاني
القرار الصعب رغم قسوته، لكن غالبًا هو الخيار الوحيد المتاح أمام السكان الذين قاموا بتشييد المنازل دون الحصول على التراخيص اللازمة، إما بسبب التعقيدات البيروقراطية، أو لأن إصدار التراخيص في القدس الشرقية يكاد يكون مستحيلًا للفلسطينيين، مما يدفعهم للبناء وفق الحاجة، لا وفق القانون، ولذلك تصبح منازلهم مهددة بالهدم في أي لحظة.
ومن المؤكد أن أعمال الهدم الذاتي، لا تعني فقط خسارة مسكن، بل هي خسارة للاستقرار، والشعور بالأمان، وتبديد للجهود التي بذلها السكان على مدار سنوات طويلة، لذلك يُفضل الكثير من السكان هذا الخيار الصعب، على تحمل أعباء مالية إضافية، والتي تفرض كغرامات وأجور لعمليات الهدم القسري. الأزمة لا تقف عند حدود الخسائر المادية، بل تتداخل فيها أبعاد قانونية واجتماعية ونفسية، فكل هدم ذاتي هو ضربة جديدة للهوية الحضارية للفلسطينيين في المدينة، ومحاولة لإعادة تشكيل المشهد السكاني والسياسي لصالح مشروعات التهويد والاستيطان، التي تقوم بها إسرائيل.
بعض العائلات تضطر للعيش في مساكن مؤقتة بعد الهدم، مما يزيد من العبء النفسي والاجتماعي عليهم، في ظل معاناة السكان من ارتفاع معدل البطالة وغلاء المعيشة، الناتج عن الحصار الإسرائيلي لحافلات البضائع ومنع وصولها للمتاجر، مما يجعل من الصعب توفير تكاليف الغرامات أو الترميم.
سياسة القمع
مواجهة الأزمة الصعبة، يتطلب إصلاح نظام تراخيص البناء، ليتناسب مع الواقع السكاني والاحتياجات الإنسانية في القدس الشرقية، بالإضافة إلى توفير دعم قانوني واقتصادي للسكان، لتمكينهم من تحسين مساكنهم دون خوف من الهدم، وتشجيع المؤسسات الدولية على مراقبة عمليات الهدم والمطالبة بسياسات عمرانية عادلة، ودعم مبادرات إسكان جماعي تراعي الخصوصية الفلسطينية وتُعزز صمود السكان.
سياسة القمع التي تمارسها إسرائيل تجاه الفلسطينيين، في مختلف المجالات، تسببت في أزمات متلاحقة، وحصار على كافة المستويات الحياتية، إلى جانب عدم وجود آلية قانونية يستند إليها السكان، لتجنب هذا الحل المرير، ولكن الأمر يتطلب أيضا السعي من جانب الأجهزة الفلسطينية المختصة، لإيجاد صيغة قانونية تهدف في المقام الأول، إلى إعلاء مصلحة السكان، دون وضع أعباء وعراقيل، تزيد من حجم المعاناة المفروضة عليهم.
ما يفعله الاحتلال يمثل خرقًا صريحًا للقانون الدولي، الذي يعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة، ويمنع الدولة القائمة بالاحتلال من تغيير تركيبتها السكانية أو القانونية، ولكن في ظل غياب حماية قانونية فعالة للفلسطينيين، وتراجع دور المجتمع الدولي في محاسبة إسرائيل على هذه الانتهاكات، تواجه العائلات مصيرًا مجهولا، بين عدم القدرة على توفير مأوى، وفقدان الهوية.




