في ساعات الصباح الأولى، تحولت ساحة مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة إلى مشهد حزين ومهيب، حيث ودّع الفلسطينيون ستة من الصحفيين الذين ارتقوا إثر قصف مباشر شنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي على خيمتهم أمام المستشفى. كان من بين الضحايا مراسلا قناة «الجزيرة» أنس الشريف ومحمد قريقع، اللذان عرفا طوال الأشهر الماضية بثباتهما في تغطية الحرب ونقل صورة المعاناة اليومية من قلب الميدان.
رحلة طويلة من الألم والمقاومة
المراسم التي شهدها مجمع الشفاء حملت رمزية عالية، إذ امتزجت دموع الفقد بصوت التكبير والدعاء، بينما كان زملاء الشهداء يرفعون الجثمانين وسط صرخات الألم والصدمة. لم يكن هذا المشهد مجرد وداع شخصي لزملاء المهنة، بل كان رسالة جديدة على أن الصحافة في غزة أصبحت هدفًا مباشرًا في هذه الحرب، وأن ثمن نقل الحقيقة قد وصل إلى أقصى درجاته.
الوصية التي نُشرت على صفحة الصحفي أنس الشريف عقب استشهاده أضافت بُعدًا إنسانيًا عميقًا للقصة. كلماته الأخيرة كانت شهادة على رحلة طويلة من الألم والمقاومة، إذ استحضر ذكريات طفولته في مخيم جباليا، وحلمه بالعودة إلى عسقلان المحتلة، قبل أن يختتم حياته في موقع الدفاع عن الحقيقة. تحدث الشريف بمرارة عن سنوات الحصار والمجازر التي لم توقفها المناشدات الدولية، وعن صموده في وجه الخوف والفقد، ليبقى صوتًا لأبناء شعبه حتى اللحظة الأخيرة.
خسارة مضاعفة
هذا الحدث يعكس مرة أخرى المأساة المركبة التي يعيشها الصحفيون في غزة؛ فهم ليسوا فقط شهودًا على المأساة، بل أصبحوا جزءًا منها، يواجهون الموت بنفس الدرجة التي يواجهها المدنيون. كما يثير تساؤلات جدية حول التزامات المجتمع الدولي بحماية الصحفيين، ومدى فاعلية القوانين الإنسانية حين تتحول المهنة إلى هدف عسكري.
رحيل هؤلاء الصحفيين، وعلى رأسهم الشريف وقريقع، يمثل خسارة مضاعفة: خسارة للأرواح، وخسارة للأصوات التي كانت تنقل الحقيقة من قلب المأساة. ومع استمرار الحرب، يبدو أن فراغهم سيظل حاضرًا، وأن كلماتهم ووصاياهم ستبقى شاهدًا على حرب لم توفر حتى من حمل الكاميرا والقلم.




