يكشف التقرير الصادر عن صحيفة «الإندبندنت» البريطانية ومعطيات المنظمات الصحية والإنسانية عن بُعد جديد في مأساة غزة، يتمثل في تفشي مرض نادر وقاتل هو «الشلل الرخو الحاد»، والذي ارتبط بشكل مباشر بتدمير إسرائيل لمحطات معالجة المياه والصرف الصحي. الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في القطاع تشير إلى قفزة غير مسبوقة في عدد الحالات، إذ وصل إلى 110 خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بينما لم يتجاوز المعدل السنوي في السابق حالتين فقط. هذه الزيادة اللافتة تعكس انهياراً بيئياً وصحياً يهدد حياة المدنيين، خصوصاً الأطفال الذين يشكلون نسبة مرتفعة من المصابين.
تفشي الأمراض
الشلل الرخو الحاد، الذي يرتبط في كثير من الحالات بمتلازمة غيلان باريه، يعدّ من أخطر الأمراض العصبية التي يمكن أن تؤدي إلى شلل دائم أو فشل تنفسي مميت. وتؤكد شهادات الأطباء الفلسطينيين، وعلى رأسهم الدكتور أحمد الفرا من مستشفى ناصر بخان يونس، أن تفشي المرض يمثل أحد أكثر التحديات الطبية صعوبة منذ اندلاع الحرب عام 2023، خاصة في ظل غياب العلاجات الأساسية مثل الغلوبولين المناعي الوريدي أو تقنيات تبادل البلازما، وهي إجراءات أساسية لمنع مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.
الأزمة الصحية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بانهيار البنية التحتية للمياه. منظمة الصحة العالمية حذّرت من أن تلوث المياه بمياه الصرف الصحي نتيجة تدمير إسرائيل لشبكات المعالجة هو العامل المركزي وراء تفشي الأمراض المعوية التي تقود إلى الإصابة بالشلل الرخو الحاد. وقد وثّقت تقارير «أوكسفام» و«أطباء بلا حدود» تدمير ما يصل إلى 70 في المائة من مضخات الصرف الصحي و100 في المائة من محطات معالجة المياه في غزة، إضافة إلى القيود المفروضة على استيراد مواد ومعدات معالجة المياه، وهو ما اعتُبر سياسة متعمدة لحرمان السكان من حقهم في المياه النظيفة.
الجانب الإسرائيلي ينفي هذه الاتهامات، حيث يؤكد الجيش أنه لا يستهدف البنية التحتية المدنية وأنه يوفّر إمدادات إنسانية من المياه عبر خطوط تربط غزة بإسرائيل. غير أن الواقع على الأرض، كما تعكسه شهادات السكان والأطباء والمنظمات الدولية، يكشف صورة مختلفة تماماً، إذ اضطر مسؤولو الصحة إلى نصح السكان بتعريض المياه لأشعة الشمس لتعقيمها بشكل بدائي قبل شربها، في مؤشر على حجم الانهيار الصحي وغياب البدائل.
حرب عسكرية شرسة
تداعيات هذه الأزمة لا تقف عند حدود التفشي الحالي للمرض، بل تحمل مخاطر مستقبلية واسعة. انتشار الأمراض المعدية المنقولة بالمياه في بيئة مكتظة بالسكان، تعاني من سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية، قد يقود إلى موجات إضافية من الوفيات ويترك آثاراً صحية طويلة المدى على آلاف الأطفال. كما أن غياب العلاجات المتخصصة يضاعف فرص تحول الحالات إلى إعاقات دائمة، الأمر الذي سيضيف عبئاً إنسانياً واجتماعياً ضخماً على مجتمع يعاني أصلاً من حرب مستمرة وحصار خانق.
المشهد العام يعكس التقاء عدة أزمات: حرب عسكرية شرسة، انهيار للبنية التحتية، تفشي أوبئة نادرة، ومجاعة معلنة من قبل الأمم المتحدة. هذه المعطيات تضع المجتمع الدولي أمام اختبار صعب في ظل تزايد الأصوات التي تتهم إسرائيل بممارسة «سياسة العقاب الجماعي» عبر استهداف أساسيات الحياة من ماء وغذاء وصحة. وفي غياب تحرك دولي جاد، يبقى المدنيون في غزة، وبخاصة الأطفال، عرضة لمخاطر مضاعفة تتجاوز آثار الحرب التقليدية إلى تهديد وجودي لحياتهم وصحتهم ومستقبلهم.






