في كلمة ألقاها من العاصمة السعودية الرياض، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، قراره رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول دراماتيكي يضع البلاد على أعتاب مرحلة جديدة قد تفضي إلى انفتاح اقتصادي غير مسبوق منذ اندلاع النزاع عام 2011. القرار جاء قبل ساعات من لقاء مرتقب بين ترامب والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الذي لطالما جعل من مطلب رفع العقوبات أولوية سياسية واقتصادية في اتصالاته مع القوى الدولية.
حسابات أمريكية جديدة في الشرق الأوسط
إعلان ترامب، الذي جاء خلال مشاركته في فعاليات رسمية بالرياض، يعكس توجها متجددا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا والمنطقة. فعلى وقع تصفيق الحضور، قال ترامب: “سأصدر الأوامر برفع العقوبات عن سوريا من أجل توفير فرصة لهم للنمو”، في خطاب بدا وكأنه يقدم دفعة قوية للسلطة الانتقالية في دمشق، ويمهد لمقاربات جديدة تقوم على التعاون بدلاً من العزل.
هذا التحول الأميركي لا يأتي في فراغ. فالولايات المتحدة، التي تبنّت لعقد من الزمن سياسة الضغط الأقصى تجاه النظام السوري السابق، تجد اليوم نفسها أمام معادلات متغيرة في الإقليم، خاصة في ظل صعود قيادة انتقالية جديدة في سوريا، تبدو أكثر استعداداً للدخول في تفاهمات استراتيجية تتماشى مع الرؤية الأمريكية، خصوصًا في ملفي الإرهاب وحماية الأقليات.
ماذا تعني العقوبات بالنسبة لسوريا؟
منذ عام 2011، فُرضت على سوريا سلسلة من العقوبات الأميركية والأوروبية طالت قطاعات حيوية مثل المصارف، الطاقة، التجارة، والتمويل الدولي، ما أدى إلى تجميد الاستثمارات وتراجع الاحتياطي النقدي، إلى جانب شلل شبه تام في آليات إعادة الإعمار.
وكان تقرير لبرنامج الأمم المتحدة صدر في فبراير الماضي قد حذر من أن سوريا، ووفق معدلات النمو الحالية، لن تتمكن من استعادة ناتجها المحلي الإجمالي لما قبل الحرب قبل عام 2080، ما لم يتم رفع القيود الاقتصادية المفروضة عليها. وتُعدّ هذه العقوبات أحد أبرز معوقات إنعاش الاقتصاد السوري، إذ أنها حالت دون تمويل مشاريع بنى تحتية، ومنعت الشركات الأجنبية من الاستثمار، وقيّدت التعاملات البنكية، وأدت إلى عزلة اقتصادية خانقة.
انعكاسات القرار على الاقتصاد السوري
رفع العقوبات يمثل، وفق محللين، نافذة أمل للاقتصاد السوري المتهالك، وفرصة للسلطة الانتقالية لتفعيل مشاريع إعادة الإعمار، وجذب استثمارات عربية وغربية، وفتح قنوات مصرفية وتجارية كانت مغلقة لعقد من الزمن.
ومن المتوقع أن يساهم هذا القرار في تحريك الأسواق المحلية وتهدئة نسبية في سعر صرف العملة الوطنية، إلى جانب إمكانية عودة بعض الشركات العاملة في مجالات الطاقة والبناء، خاصة إذا ما رُفعت القيود المالية والمصرفية في الشهور القادمة.
لكن التحدي الأكبر يظل في إدارة هذه الانفراجة اقتصادياً وشفافياً، لا سيما في ظل استمرار هشاشة المؤسسات الاقتصادية والإدارية التي ورثتها السلطة الانتقالية عن النظام السابق.
شروط المجتمع الدولي: اختبار النوايا
على الرغم من هذا التطور اللافت، إلا أن الأطراف الدولية، وخاصة الاتحاد الأوروبي، لا تزال تتبنى موقفًا مشروطًا تجاه مسألة رفع العقوبات. وقد أكدت واشنطن مرارًا أن التزامات السلطة السورية الجديدة في ملفات حقوق الإنسان، محاربة الإرهاب، وضمان التعددية السياسية والدينية، ستكون محكًا حقيقيًا لأي دعم دولي مستدام.
ولم تُخفِ تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قد تُقايض رفع العقوبات بإتاحة فرص اقتصادية محددة لشركاتها داخل سوريا، ضمن صفقات تخص استغلال المعادن والموارد الطبيعية، على غرار بعض الترتيبات التي نُفذت في أوكرانيا.
لحظة اختبار تاريخية
يرى مراقبون أن قرار ترامب قد يشكل نقطة تحول مفصلية في المسار السوري، ويضع السلطة الانتقالية أمام اختبار مزدوج: من جهة، ضرورة استغلال هذا الانفتاح لتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة للداخل السوري، ومن جهة أخرى، إثبات الجدية في الالتزام بمعايير الحكم الرشيد والانفتاح السياسي.
وفي حين يترقب السوريون نتائج هذا القرار على حياتهم اليومية، فإن المجتمع الدولي سيواصل، بلا شك، رصد كل خطوة قادمة من دمشق، بميزان من الحذر والترقب، بحثًا عن مؤشرات حقيقية على التغيير.