تعكس التقارير والتحليلات الإسرائيلية الأخيرة، الواردة من مصادر صحفية وميدانية، حجم المأزق الذي يعيشه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته، على خلفية استمرار الحرب في قطاع غزة منذ أكثر من تسعة أشهر، دون تحقيق أهداف واضحة، مقابل تصاعد خسائر الجيش الإسرائيلي واتساع الهوة بين الميدان والسياسة. ويبدو أن إسرائيل تدخل تدريجيًا في ما يشبه “استنساخًا” لتجربتها المريرة في جنوب لبنان قبل انسحابها عام 2000، حين وُجهت حينها بضغوط شعبية وعسكرية متزامنة، دفعتها للانسحاب تحت شعار “وقف النزيف”.
الحديث الذي بدأ يتكرر في وسائل الإعلام العبرية عن “كارثة إسرائيلية” و”حرب استنزاف بلا جدوى”، لم يعد مقتصرًا على محللين أو معارضين، بل بات يُعبّر عنه جنود في الجبهات، وضباط ميدانيون، وصولاً إلى شخصيات عسكرية بارزة من خارج الخدمة الفعلية، مثل العميد في الاحتياط يوسي بن آري، الذي حمّل نتنياهو شخصيًا مسؤولية استئناف القتال في مارس الماضي، رغم وجود اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار أُبرم في الدوحة برعاية إقليمية ودولية.
انقسام داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية
التحليل الذي كتبه بن آري في صحيفة “هآرتس” يكشف عن حالة انقسام متزايد داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ليس فقط حول نتائج الحرب، بل حول منطق استمرارها. فعندما يقول ضابط مخابرات سابق إن مقتل عشرات الجنود في الأسابيع الأخيرة هو نتيجة مباشرة لقرار سياسي “غير مبرر”، فإن ذلك يمثل اتهامًا صريحًا لنتنياهو باستخدام دماء الجنود كورقة سياسية، وسط أزمة عميقة تطال مستقبله السياسي وتلاحقه قضائيًا منذ سنوات.
من ناحية أخرى، يُظهر تقرير قناة “هآرتس” عن الجنود على الأرض، كيف ينتقل المزاج النفسي من الحماسة في البداية إلى الإحباط والسأم، حين يواجه الجنود واقعًا لا يتوافق مع الوعود الرسمية. فالمشاركة في القتال، التي بدأت بشعور بضرورة “تحرير المخطوفين”، لم تعد تقنع الجنود بعد مقتل المئات منهم مقابل أهداف لم تتحقق، بل وتبدو بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى.
انهيار المشروع الإسرائيلي
ما يعمّق هذا الإحباط هو غياب “رواية انتصار” حقيقية يمكن ترويجها. فرغم دمار هائل ألحقته إسرائيل بقطاع غزة، ومئات القتلى الفلسطينيين يوميًا، لم يُحقق ما يُسمى بالردع الكامل، ولم تُنهك حماس كما كان يُفترض، ولم تتحقق الأهداف السياسية الكبرى من الحرب، وعلى رأسها تفكيك البنية العسكرية والسياسية للحركة، أو استعادة المخطوفين أحياء.
في السياق ذاته، تكشف تقارير مثل مقال آفي أشكنازي في “معاريف” أن العملية العسكرية الكبرى “عربات جدعون”، والتي خُطط لها على أساس زعزعة حماس وفرض شروط الاستسلام، فشلت حتى الآن في ترجمة الإنجاز الميداني المفترض إلى مكاسب سياسية. بل إن المحصلة، وفق تقديرات بعض المحللين الإسرائيليين، هي أن الحسم بات بيد القيادة السياسية، التي تبدو مترددة، متخبطة، وتفتقر إلى استراتيجية خروج.
المفارقة اللافتة أن المقارنة بالجنوب اللبناني عام 2000، والتي أوردتها “هآرتس”، لا تأتي من معسكر اليسار أو دعاة الانسحاب، بل من أوساط عسكرية ترى أن الحرب وصلت إلى نقطة تشبه ما قبل انهيار المشروع الإسرائيلي هناك، عندما بدأ الجنود يفقدون الإيمان بـ”جدوى البقاء”، والرأي العام يضغط للخروج بأي ثمن.
مستنقع سياسي وعسكري
يتضح، في ضوء هذا المشهد، أن الأزمة الإسرائيلية باتت متعددة المستويات: على الأرض، يتكبد الجيش خسائر بشرية مؤلمة، فيما تزداد التساؤلات حول جدوى القتال. سياسيًا، يعيش نتنياهو في عزلة داخلية متنامية، يتهمه بعض العسكريين بأنه يخوض الحرب من أجل النجاة من المحاكمة لا من أجل مصلحة الدولة. وعلى الصعيد الشعبي، يتصاعد السخط بين العائلات التي فقدت أبناءها، بينما لا تزال الحكومة تتحدث عن “الهدف الأسمى” دون خطوات عملية تُترجم هذا الهدف.
تعكس التقارير الحالية مشهدًا استراتيجيًا معقدًا لإسرائيل، تظهر فيه الحرب في غزة كـ”مستنقع سياسي وعسكري” يفقد فيه القادة السيطرة على المدى الزمني والتكلفة البشرية، في حين تزداد الضغوط الدولية والداخلية لإنهاء الصراع. والسؤال الذي بات يفرض نفسه بقوة داخل إسرائيل اليوم ليس متى تنتصر؟ بل: كيف يمكن الخروج من هذه الحرب دون هزيمة معلنة؟






