تشير المعلومات التي كشفتها الكاتبة الإسرائيلية سيفان تاهال إلى تحول خطير في طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، إذ لم تعد عمليات الهدم التي تنفذها وحدات خاصة كـ”قوة أوريا” مجرد جزء من العمليات القتالية التقليدية، بل باتت ترتكز على أبعاد أيديولوجية واقتصادية متشابكة، تشي بتحوّل غزة من ساحة حرب إلى مشروع استيطاني مفتوح، يستند إلى فكرة الإبادة المعمارية الشاملة.
تدمير منازل الفلسطينيين
عملية هدم 409 مبانٍ خلال أسبوع واحد، تزامناً مع عزاء جندي احتياط قتل أثناء مشاركته في تدمير منازل الفلسطينيين، تكشف عن نوع من الاستغلال العقائدي للفقد الشخصي في تبرير جرائم واسعة النطاق بحق المدنيين، بل وإضفاء طابع “احتفالي” على فعل التدمير نفسه، كما ظهر من خلال الرسائل المتداولة في مجموعات المستوطنين على تطبيق واتساب، والتي وصفت هذه العملية بأنها “تكريم لروح الزميل القتيل”. هذه اللغة، المشبعة بروح الانتقام الديني–الاستيطاني، تكشف عن اندماج غير مسبوق بين الجيش كمؤسسة سيادية، والحركات الاستيطانية كقوة ضغط وميدان تنفيذ.
الخطير في الأمر أن “قوة أوريا”، بحسب ما ورد في التقرير، ليست وحدة نظامية تابعة للجيش، بل مجموعة شبه عسكرية أنشأها ناشط يميني متطرف، جند فيها مستوطنين عبر شركات بناء خاصة، واستثمر فيها معدات استخدمت سابقاً في إنشاء بؤر استيطانية في الضفة الغربية. هذا يعني أن المشروع الاستيطاني نفسه، بكل ما يحمله من رؤية إقصائية وعقائدية، هو من ينفذ عملية الهدم في غزة تحت حماية رسمية من الجيش الإسرائيلي، ما يلغي عملياً الفاصل بين ما هو عسكري وما هو استيطاني، ويحوّل الجيش إلى أداة لخدمة مشروع أيديولوجي عنصري بامتياز.
سياسة تهجير قسري
أكثر ما يثير القلق في هذه الرواية ليس فقط الفعل التدميري نفسه، وإنما الطريقة التي يُكافأ بها منفذوه، إذ أشار التقرير إلى أن مشغلي الجرافات يحصلون على مبالغ مالية مقابل كل مبنى يهدمونه، تصل إلى 2500 شيكل للمباني الصغيرة، و5000 شيكل للمباني الأكبر. هذا التحفيز المادي يشير إلى أن الهدم تحوّل إلى “سوق” يستفيد منه المستوطنون من ذوي الخلفية العقائدية، في تزاوج مرعب بين الإيديولوجيا والربح، يقوّض أي إدعاء بأن هذه العمليات تأتي في إطار “أهداف أمنية”.
الحالة الشخصية للجندي أفرهام أزولاي تلقي الضوء على البيئة النفسية والفكرية التي يتحرك فيها هؤلاء الفاعلون. فهو شاب نشأ في مستوطنات متطرفة، وصرّح مراراً بأن هدفه من الانضمام إلى الوحدة هو “الانتقام لما جرى في 7 أكتوبر” ومنع الفلسطينيين من العودة إلى منازلهم. هذا التصريح وحده يكفي ليؤكد أن عمليات الهدم ليست عملاً عسكرياً محضاً، بل سياسة تهجير قسري ذات دوافع أيديولوجية.
وما يزيد من خطورة هذه المعطيات هو صمت القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، التي لم تفتح أي تحقيق في هذه العمليات، رغم حجم الدمار المهول الذي أسفرت عنه. فوفق تقارير أممية، بات نحو 70% من مباني غزة غير صالحة للسكن، ومع ذلك تستمر عمليات الهدم بلا ضوابط أو مساءلة، في استهتار مطلق بالقانون الدولي والحقوق الإنسانية الأساسية.
إعادة الإنتاج الاستيطاني
إن ما كشفته الكاتبة الإسرائيلية يقدّم صورة غير مسبوقة لسياسة الأرض المحروقة التي تنفذها إسرائيل في غزة، والتي لم تعد تخجل من إظهار دوافعها الحقيقية: إفراغ القطاع من سكانه، وتدمير أحياء بكاملها، بتواطؤ بين متطرفين مدنيين ومؤسسات رسمية. بهذا الشكل، تتحول غزة من “منطقة عمليات عسكرية” إلى مساحة لإعادة الإنتاج الاستيطاني، وكأن ما يجري اليوم هو تمهيد لما بعد الحرب، حيث تُهيأ الأرض لإعادة هندستها ديموغرافياً وعقائدياً، بما يتماشى مع رؤية اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفاً.
إن هذا النموذج، إن تُرك دون محاسبة دولية حقيقية، سيفتح الباب أمام ممارسات مشابهة في مناطق أخرى، وسيُحوّل الجريمة إلى سابقة قابلة للتكرار. فحين تتحول الجرافات إلى أدوات تطهير، ويُكافأ الهدم بالمال، ويُحتفى به كتكريم للموتى، فإننا أمام مشروع ليس فقط لتغيير معالم الجغرافيا، بل لمحو الذاكرة والوجود الفلسطيني من جذوره.







