تشهد كواليس الدبلوماسية الدولية في مقر الأمم المتحدة حراكاً مكثفاً تمهيداً لرفع العقوبات المفروضة على الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة تمهيدية لزيارته المرتقبة إلى نيويورك الشهر المقبل، وسط تحركات سياسية وعلاقات استثمارية جديدة قد تعيد صياغة موقع سوريا على الساحة الدولية.
زيارة تاريخية محتملة إلى نيويورك
بحسب مصادر دبلوماسية، فإن هناك استعدادات جارية حثيثة لزيارة مرتقبة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) المقبل، حيث سيشارك لأول مرة في الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وإذا تمت الزيارة، فسيكون الشرع أول رئيس سوري يحضر هذه الفعالية الدولية المهمة منذ تأسيس المنظمة الأممية، رغم أن سوريا تُعد من الدول الـ51 المؤسسة للأمم المتحدة في عام 1945، حين شاركت عبر وفد مشترك مع مصر ولبنان في مؤتمر سان فرانسيسكو التاريخي.
عقبات قانونية ودبلوماسية أمام الزيارة
لكن زيارة الشرع لا تزال مرهونة بتذليل عقبة العقوبات الأممية المفروضة عليه، نظراً لقيادته السابقة لـ«هيئة تحرير الشام»، التي كانت مدرجة على لوائح الإرهاب الأممية. وتخوض الإدارة الأميركية، برئاسة دونالد ترمب، مشاورات مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن – الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، وبريطانيا – لبحث إمكانية رفع العقوبات أو تعليقها مؤقتاً.
وتبرز المخاوف من اعتراض صيني محتمل، في ظل تحفظ بكين على التعديلات السياسية التي تشهدها دمشق، وما تعتبره “تطبيعاً سريعاً وغير مشروط”.
لقاء مع المبعوث الأميركي وتوقيع اتفاقيات استثمارية
وفي تطور لافت بالتوازي مع التحركات السياسية، استقبل الرئيس الشرع في دمشق يوم أمس، توم براك، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى سوريا. اللقاء، الذي عُقد في أجواء وُصفت بـ«الإيجابية والبنّاءة»، شهد التوقيع على عدد من الاتفاقيات الخاصة بمشاريع استثمارية استراتيجية داخل سوريا.
وأظهرت صور رسمية بثتها الرئاسة السورية، الرئيس الشرع يتوسط المبعوث الأميركي والسفير الأميركي في دمشق خلال مراسم التوقيع، في مشهد يحمل دلالات رمزية على مرحلة جديدة من العلاقات بين واشنطن ودمشق.
رسائل متعددة.. اقتصادية وسياسية
الاتفاقيات الجديدة، التي لم يُكشف بعد عن تفاصيلها بالكامل، يُعتقد أنها تشمل مشاريع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات. وتُعد هذه الخطوة إشارة قوية على رغبة متبادلة في الانفتاح الاقتصادي، بعد سنوات من القطيعة والعقوبات.
ويرى مراقبون أن هذه المشاريع تشكّل جزءاً من “مقايضة سياسية” غير معلنة، تهدف إلى دفع النظام السوري لتقديم تنازلات على مستوى السياسات الإقليمية، مقابل دعم اقتصادي غربي تدريجي.
الشرع يحاول إعادة تشكيل صورته دولياً
منذ توليه الرئاسة، يسعى أحمد الشرع إلى تقديم نفسه بصورة مختلفة عن ماضيه المرتبط بالفصائل المسلحة، محاولاً إعادة تموضعه كشخصية سياسية إصلاحية تعمل على “إعادة بناء سوريا” على حد وصفه. وقد ساعده في ذلك الغطاء الروسي والدعم الإيراني، لكنه في الوقت الحالي يطمح إلى اعتراف أوسع من الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة.
السؤال الأبرز الذي يتردد في الأوساط الدبلوماسية هو: هل تمهد هذه الخطوات لتطبيع واسع بين سوريا والغرب؟ وهل يتم فعلاً رفع العقوبات عن الشرع أم ستبقى الأمم المتحدة رهينة “الفيتوهات المتبادلة”؟.. وفي انتظار قرار مجلس الأمن، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في لحظة قد تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في المنطقة.
وزيارة الشرع إلى نيويورك، إن تمت، ستكون لحظة مفصلية في مسار العلاقات السورية الدولية، فإما أن تكون نقطة انطلاق نحو إعادة دمج دمشق في النظام الدولي، أو لحظة مواجهة جديدة داخل أروقة مجلس الأمن.







