تكشف حادثة مقتل الناشط الفلسطيني عودة الهذالين عن تداخل المأساة الإنسانية مع مفارقة مؤلمة، إذ وثّق الهذالين بنفسه اللحظات التي سبقت مقتله على يد مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية، قبل أن تتحول الكاميرا من أداة لرصد الحقيقة إلى شاهد على سقوط صاحبها. الفيديو الذي نشرته منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية لأول مرة، أظهر المستوطن «ينون ليفي» وهو يلوّح بسلاحه وسط اشتباك مع مجموعة من الفلسطينيين العُزّل، قبل أن يطلق رصاصتين لم تُحدّد الكاميرا بدقة مكان إصابتهما، لكن الشهادات أكدت أن إحداهما أصابت الهذالين في صدره وأودت بحياته.
توثيق الانتهاكات
الهذالين، البالغ من العمر 31 عاماً، لم يكن مجرد مدرس لغة إنجليزية وأب لثلاثة أطفال، بل كان أيضاً ناشطاً في توثيق الانتهاكات، وساهم في إنتاج الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار «لا أرض أخرى»، الذي وثّق سياسات الهدم والتهجير في جنوب الضفة الغربية. المفارقة أن هذا الناشط، الذي اعتاد الوقوف خلف الكاميرا لرصد الاعتداءات، كان في يوم مقتله بعيداً عن مركز الاشتباك، لكنه سقط برصاص مستوطن جاء من منطقته ذاتها.
القضية أخذت منحى قانونياً مثيراً للجدل، إذ أفرجت محكمة إسرائيلية عن المستوطن المتهم، رافضة تمديد الإقامة الجبرية، ومعتبرة أن «الشبهة المعقولة» ضعفت، وأن ادعاءه الدفاع عن النفس بات أكثر ترجيحاً. القاضية أشارت إلى حادثة رشق بالحجارة سبقت إطلاق النار، فيما لم تعثر الشرطة على الرصاصة التي قتلت الهذالين، ما زاد من مساحة الشك القانوني الذي قد يصب في صالح المتهم. ورغم إصرار الشرطة على الحاجة لمزيد من التحقيقات، فإن مسار القضية يوحي بأن الوصول إلى إدانة حاسمة سيكون معقداً.
تبرير استخدام القوة المميتة
البعد الرمزي للحادثة لا يقل أهمية عن بعدها القانوني، إذ إن الهذالين كان جزءاً من مشروع سينمائي وثائقي يفضح عمليات هدم المنازل وطرد السكان لإنشاء مناطق تدريب عسكرية، وهي ممارسات يراها الفلسطينيون جزءاً من سياسة ممنهجة لاقتلاعهم من أرضهم. مشاركته في «لا أرض أخرى» لم تكن عملاً فنياً فحسب، بل كانت امتداداً لنشاطه الميداني، وجزءاً من مقاومته السلمية عبر الكلمة والصورة. وفاته بهذا الشكل تضيف طبقة جديدة من المأساة، حيث يلتقي العمل التوثيقي بالدم، ويتحوّل الناشط إلى أحد ضحايا ما كان يسعى إلى كشفه.
الحادثة تلقي الضوء على التوتر المزمن في تلال جنوب الخليل، حيث يتشابك وجود المستوطنين مع القرى الفلسطينية في بيئة مشحونة بالاحتكاك الدائم. في هذه الجغرافيا، يصبح الادعاء بالدفاع عن النفس أداة متكررة في الرواية الإسرائيلية لتبرير استخدام القوة المميتة، بينما يرى الفلسطينيون في هذه الحوادث استمراراً للإفلات من العقاب الذي يحمي المعتدين. مقتل الهذالين، بما يحمله من رمزية شخصية وسياسية، يجسد مأزق العدالة في بيئة يختلط فيها السلاح المدني بحماية الدولة، وتصبح حياة النشطاء والمدنيين مرهونة بلحظة توتر واحدة.







