تشير التطورات الميدانية في حي الزيتون بمدينة غزة إلى تصعيد عسكري إسرائيلي كثيف يستهدف منطقة ذات رمزية جغرافية وسكانية خاصة، إذ يعد الحي أكبر أحياء المدينة من حيث المساحة وثانيها من حيث الكثافة السكانية، ويمتد جزء منه في قلب المدينة القديمة، ما يمنحه موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. العمليات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي منذ أربعة أيام تتسم بتركيز نيراني على البنايات المرتفعة في الجهة الغربية من شارع صلاح الدين، بعد أن أتم السيطرة على الجزء الشرقي، في محاولة على ما يبدو لفرض سيطرة كاملة على الحي وتقويض أي بنية تحتية للمقاومة فيه.
سياسة الأرض المحروقة
القصف المكثف أدى، وفق الدفاع المدني في غزة، إلى تدمير نحو 300 بناية خلال ثلاثة أيام، وهو رقم يعكس حجم الدمار وسرعة تنفيذه، ويفسر في الوقت ذاته صعوبة عمليات الإنقاذ، إذ تشير شهادات ميدانية إلى وجود عشرات الشهداء تحت الأنقاض لم تتمكن فرق الإسعاف والدفاع المدني من الوصول إليهم نتيجة الحصار الميداني ومنع الدخول إلى المنطقة. هذا النمط من الاستهداف يشير إلى استخدام سياسة الأرض المحروقة لإفراغ الحي من السكان وإزالة أي نقاط يمكن أن تتحصن فيها مجموعات المقاومة، خاصة وأن الجيش الإسرائيلي سبق أن دخل الحي ثلاث مرات في السابق وواجه مقاومة عنيفة.
إلى جانب البعد العسكري، يتضح أن العملية تحمل آثارًا إنسانية كارثية، حيث يفرض الجيش الإسرائيلي على المدنيين النزوح نحو منطقة المواصي في خان يونس، في حين يختار كثيرون التوجه إلى أحياء غزة الغربية بحثًا عن مأوى مؤقت، على أمل العودة إلى ما تبقى من منازلهم. هذه التحركات السكانية القسرية تعكس استمرار سياسة الضغط على المدنيين لتفريغ المناطق المستهدفة، وهو ما يتوافق مع أنماط التهجير الداخلي التي شهدتها مناطق أخرى في القطاع.
أبعاد عسكرية وإنسانية
كما أن اختيار حي الزيتون كمسرح لعملية واسعة يرتبط بموقعه الاستراتيجي المحاذي لشارع صلاح الدين، الشريان البري الرئيسي في القطاع، وهو ما يمنح القوات الإسرائيلية القدرة على التحكم في الحركة بين شمال غزة وجنوبها في حال إحكام السيطرة على كامل الحي. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعته العمرانية المختلطة بين مناطق قديمة مكتظة وأحياء حديثة متعددة الطوابق تجعل منه ساحة قتال معقدة، تستدعي بالنسبة للجيش الإسرائيلي استخدام القصف الجوي والمدفعي المكثف قبل أي توغل بري شامل.
العملية في حي الزيتون، بما تحمله من أبعاد عسكرية وإنسانية، تبدو جزءًا من مخطط أوسع يستهدف إحكام الطوق على مدينة غزة عبر السيطرة على أحيائها الجنوبية، وحرمان المقاومة من العمق الميداني، مع خلق وقائع ديموغرافية جديدة عبر التهجير القسري، وهو مسار إذا استمر قد يغير الخريطة العمرانية والبشرية للمدينة بشكل جذري.






