تتوالى في لبنان المواقف الرافضة لتصريحات نائب الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم الذي لوّح للمرة الأولى بالحرب الأهلية، رداً على قرار الحكومة اللبنانية المتعلق بـ«حصرية السلاح».
وأثار التهديد موجة رفض عارمة من مختلف القوى السياسية، اعتبرت أنّ استدعاء مفردات الحرب الأهلية بعد عقود من المصالحة الوطنية «خطاب خطير ومرفوض».
جعجع: تهديد لمؤسسات الدولة
رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع شنّ هجوماً لاذعاً على خطاب قاسم، واعتبره «تهديداً مباشراً للحكومة اللبنانية والأكثرية النيابية والمؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة».
وأكد جعجع أنّ «اللبنانيين الأحرار لن يقبلوا بفرض الهيمنة عليهم تحت أي ذريعة، وأن الأكثرية الكبرى تقف خلف الدولة ومؤسساتها في مواجهة أي محاولات لإعادة لبنان إلى دوامة الفوضى».
التقدمي الاشتراكي: استدعاء الحرب الأهلية «مستَهجن»
بدوره، اعتبر النائب هادي أبو الحسن، أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي»، أنّ الخطاب الذي صدر عن «حزب الله» «مستهجن ومرفوض».
وقال: «لا أحد في لبنان يريد الحرب الأهلية، ومن يستحضر هذه المفردات إنما يخدم العدو الإسرائيلي».
وأشار أبو الحسن إلى أنّ الحكومة اللبنانية انطلقت من توافق وطني على اتفاق الطائف والقرار 1701 وحصرية السلاح، متسائلاً عن جدوى التلويح بالفتنة في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى الوحدة لا الانقسام.
من جانبه، شدد النائب إبراهيم منيمنة على أنّ «الحماية الحقيقية تنطلق من الدولة ووحدة اللبنانيين لا من السلاح غير الشرعي». وأضاف أنّ «رئيس الجمهورية منح (حزب الله) مهلة ثمانية أشهر لإعلان التزام واضح بتسليم السلاح وحصره بيد الدولة، على أن تُناقش التفاصيل في مجلس الوزراء».
وأكد أنّ «التهديد بالحرب الأهلية يزيد الانقسام الداخلي، ويمنح إسرائيل ذريعة جديدة للعدوان، في حين أن الجيش اللبناني هو الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة حماية اللبنانيين».
سلام: الحرب الأهلية خط أحمر
وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد رد سريعاً على تهديدات قاسم، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التخويف بالحرب الأهلية حرام. لا أحد من اللبنانيين يريد العودة إلى تلك الحقبة السوداء».
يرى مراقبون سياسيون أنّ تهديد «حزب الله» يعكس أزمة ثقة متفاقمة بينه وبين الدولة اللبنانية، ويضع البلاد أمام تحدٍ وجودي. فاستحضار الحرب الأهلية في سياق الخلاف على السلاح يذكّر اللبنانيين بسنوات الاقتتال المرير الذي دمّر البنية الوطنية والاقتصاد.
ويحذر المحللون من أنّ استمرار الخطاب التصعيدي قد يقوّض الثقة بالمؤسسات الدستورية، ويؤدي إلى شلل سياسي يفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، يعتقد كثيرون أنّ غالبية القوى السياسية والشعبية في لبنان ترفض الانجرار إلى مواجهة داخلية، ما يجعل التلويح بالحرب الأهلية ورقة فقدت فعاليتها في الشارع.
إلى أين يتجه لبنان؟
أمام هذه المواقف المتصاعدة، يبدو أنّ لبنان يقف عند مفترق طرق حاسم: فإما أن يلتفّ اللبنانيون حول دولتهم ومؤسساتهم لإرساء حصرية السلاح وبناء ثقة داخلية تعيد التوازن السياسي، وإما أن يدخل البلد في نفق من الانقسام يهدد استقراره الهش.
ويبقى السؤال المطروح: هل ينجح اللبنانيون في تحييد بلدهم عن صراع السلاح والانقسامات، أم تعود بيروت إلى مربّع الحرب الأهلية الذي يتربص بها منذ عقود؟







