تشير الأرقام الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى صورة شديدة القتامة لحجم الأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع في ظل الحرب المستمرة منذ أشهر. فبينما كانت التقديرات تشير إلى دخول 1,800 شاحنة مساعدات خلال ثلاثة أيام فقط، لم يتمكن القطاع سوى من استقبال 250 شاحنة، أي أقل من سبع ما هو متوقع، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والإمدادات المتاحة. أما على المدى الأطول، فقد بلغ إجمالي ما دخل غزة خلال 25 يوماً نحو 2,187 شاحنة فقط من أصل 15,000، أي أقل من 15% من الحد الأدنى المطلوب لتغطية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
الفوضى الأمنية
هذا العجز لا يُقرأ فقط في إطار الأرقام، بل يُترجم إلى سياسة ممنهجة، وفق وصف البيان، تقوم على “هندسة التجويع والفوضى”، إذ يتعمد الاحتلال الإسرائيلي خلق بيئة من الفوضى الأمنية عبر ترك المساعدات عرضة للنهب والسرقة، ومنع تأمين ما يدخل منها، في الوقت الذي يفرض فيه حصاراً خانقاً بإغلاق المعابر ومنع دخول مئات الأصناف الحيوية. ويشمل المنع سلعاً أساسية مثل اللحوم والألبان والأسماك والبيض، إضافة إلى الفواكه والخضروات والمكملات الغذائية التي يحتاجها الأطفال والنساء الحوامل والمرضى، ما يفاقم من معدلات سوء التغذية وانهيار الوضع الصحي.
تأتي هذه الأرقام لتضع المجتمع الدولي أمام اختبار جاد، إذ إن الحاجة اليومية تتطلب أكثر من 600 شاحنة لتلبية الحد الأدنى لمتطلبات 2.4 مليون إنسان محاصر، في وقت تشهد فيه البنية التحتية انهياراً شبه كامل بفعل الحرب المستمرة. ورغم إدانات متكررة ودعوات متزايدة لوقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات، يبقى الواقع على الأرض أقرب إلى حصار شامل يُقنن الغذاء والدواء ويحوّل المساعدات إلى أداة ضغط سياسي وعسكري.
فشل المنظومة الدولية
إن تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الكارثة، كما ورد في البيان، يسلّط الضوء على فشل المنظومة الدولية في ضمان أبسط حقوق المدنيين، وفي مقدمتها الغذاء والدواء. فالأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية، ومعها المجتمع الدولي، مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى التحرك الجدي لفتح المعابر وتأمين تدفق المساعدات، لا سيما حليب الأطفال والأدوية المنقذة للحياة. وفي غياب تحرك فاعل، فإن استمرار هذا النمط من الحصار يعني الدفع باتجاه مجاعة ممنهجة وإبادة بطيئة، ما يجعل الأزمة الإنسانية في غزة واحدة من أكثر الكوارث إلحاحاً في العالم المعاصر.







