أثار مقطع فيديو غامض تم تداوله على نطاق واسع على منصات التواصل الاجتماعي عاصفة من الجدل والذهول، بعد أن زعم ناشروه أنه يوثق اكتشاف سجن سري تحت الأرض قرب سجن صيدنايا في سوريا، يحوي آلاف الجثث المدفونة في ظروف مروعة. الفيديو، الذي اجتاح منصات “إكس” و”تيك توك”، صُوّر على أنه يكشف عن “أفظع اكتشاف سري في سوريا”، مستعرضاً نفقاً عميقاً وأبواباً حديدية وممرات ضيقة تقود إلى ما قيل إنه مقبرة جماعية، لتشتعل معها التعليقات والافتراضات حول انتهاكات جديدة تُضاف إلى سجل سجن صيدنايا الدموي.
تضخيم السرديات الزائفة
لكن خلف هذا الانتشار الواسع والانفعال الجماهيري، تكشّفت حقائق مغايرة عند التحقق من أصل المقطع وسياقه. فقد أثبت تحقيق أجرته وكالة “سند” للتحقق الإخباري، التابعة لشبكة الجزيرة، أن الفيديو المتداول لا يمتّ بصلة لسوريا، ولا يوثق اكتشاف سجن ولا حتى مقبرة، بل يعود في الأصل إلى مواد منشورة سابقًا على حسابات من الهند ومصادر مهتمة باستكشاف المواقع المهجورة.
وبحسب نتائج التحقق، تبين أن الفيديو قد نُشر منذ عدة أشهر على منصات مختلفة مرفقًا بتعليقات عامة وغامضة مثل “ماذا يوجد داخل النفق؟” أو “لن تصدق ما يوجد في هذا المكان”، دون أي صلة بسياق سياسي أو جغرافي محدد. الأهم من ذلك أن النسخة الأصلية للمقطع تعود إلى مستكشف حضري يُدعى (urbexkev)، قام بتوثيق ما قال إنه “غرف تخطيط وقيادة عسكرية من الحرب العالمية الثانية”، دون تحديد الدولة التي تقع فيها هذه المنشآت.
مسلخ بشري
ويعكس هذا المثال بوضوح كيف يمكن لمحتوى عادي أن يُعاد تدويره ضمن سياقات جديدة كلياً، لتغذية روايات سياسية أو إثارة الذعر، خصوصًا في البيئات التي تعاني من تراكمات نفسية وسياسية معقدة كما هو الحال في سوريا. ويبرز هنا دور منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم السرديات الزائفة، حيث ساهمت مشاعر الغضب والظلم المرتبط تاريخيًا بسجن صيدنايا في تقبّل الجمهور للرواية المفبركة دون تمحيص أو تحقق.
ففي المخيال الجمعي للسوريين، سجن صيدنايا ليس مجرد منشأة أمنية، بل رمزٌ للبطش الممنهج والانتهاكات المعمّقة، لُقّب بـ”المسلخ البشري” بسبب تقارير دولية وثّقت ممارسات الإخفاء القسري والتعذيب والقتل داخله. ومع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 على يد المعارضة المسلحة، أعيد فتح ملفات هذا السجن بكل ما فيها من مشاعر الغضب والثأر، ما جعل بيئة الاستقبال مهيأة لتصديق أي رواية تكمّل هذا السرد، حتى لو كانت دون أساس.
تصورات مضللة
هذه الحالة تسلط الضوء على إشكالية خطيرة في عصر الإعلام الرقمي، حيث يمتزج الواقع بالوهم، وتتداخل الذاكرة الجماعية مع المحتوى المفبرك، ما يصعّب الفصل بين التوثيق والمبالغة، وبين الحقيقة والدعاية. وتصبح أدوات التحقق المستقلة، كعمل وكالة “سند”، ذات أهمية بالغة ليس فقط لتصحيح معلومة، بل لحماية الرأي العام من الانجرار وراء تصورات مضللة قد تُستثمر لاحقًا سياسيًا أو أمنيًا.
تؤكد هذه الواقعة أن الشائعات المصورة – مهما بدت مقنعة – يجب أن تُقابل بتحقيق دقيق وتحليل نقدي، خاصة عندما تتصل بمواضيع شائكة وحساسة كجرائم الحرب والذاكرة الجماعية، فكل صورة أو مقطع يمكن أن يصبح أداة لإعادة تشكيل السرديات وتوجيه المشاعر، سواء بوعي أم من دون قصد.




