تشكل الزيارة السرية التي قام بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أيال زامير إلى بؤرة استيطانية غير قانونية شمال الضفة الغربية، تطوراً لافتاً في العلاقة بين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمستوطنين، إذ إنها كسرت تقليداً راسخاً بعدم انخراط قيادة الجيش في دعم مباشر أو علني للمستوطنات العشوائية. هذه الخطوة، التي جرت بعيداً عن الإعلام الرسمي وضمن ترتيبات أمنية مشددة، حملت أبعاداً سياسية تتجاوز إطارها الميداني، ووضعت زامير في قلب جدل داخلي إسرائيلي حول دوره وحدود وظيفته كمسؤول عسكري يفترض أنه منفذ للقانون، لا صانع للسياسات.
دعم سياسي لـ “المزارع” الاستيطانية
البؤرة التي زارها زامير، والمعروفة باسم «ماعوز شاؤول»، أُنشئت حديثاً وفق أسلوب “الاستيطان في ليلة واحدة”، وهي لا تزال غير شرعية حتى في المعايير الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن مجرد حضور رئيس الأركان هناك، والتقاطه صورة مع القائمين عليها، فُسّر على نطاق واسع على أنه رسالة دعم سياسي لمشروع “المزارع” الاستيطانية، الذي يعد اليوم رأس الحربة في التوسع الإسرائيلي بالضفة بعد السابع من أكتوبر 2023.
هذا السلوك يكتسب خطورته من التناقض القائم بين الموقف التقليدي للجيش، الذي طالما عدّ هذه البؤر “مشكلة أمنية”، ودخل في صدامات مع المستوطنين لإزالتها أو الحد من توسعها، وبين الخطوة الأخيرة لزامير التي رآها المراقبون “سابقة غير معهودة”. فهي لا تقتصر على تغيير في لغة التعامل، بل قد تمثل بداية انخراط المؤسسة العسكرية في رعاية غير مباشرة لمشاريع استيطانية تُعد غير قانونية وفق القانون الإسرائيلي والدولي على حد سواء.
هجوم شديد من قادة اليمين
التوقيت أيضاً لا ينفصل عن سياق أوسع. زامير يتعرض في الأسابيع الأخيرة لهجوم شديد من قادة اليمين المتشدد بسبب معارضته لاحتلال مدينة غزة بالكامل، وهو ما جعله عرضة لاتهامات بعدم الولاء للمشروع القومي الإسرائيلي. ومن هنا فإن زيارته إلى البؤرة قد تكون محاولة لاسترضاء هذا المعسكر، أو على الأقل تقليص الفجوة معه عبر تقديم “هدية سياسية” في الضفة الغربية، حيث يعد ملف الاستيطان أحد أركان شرعية اليمين داخل إسرائيل.
ردود الفعل جاءت كاشفة. وزراء وأقطاب من اليمين، مثل بتسلئيل سموتريتش وماي جولان، سارعوا إلى الإشادة بالخطوة ورأوا فيها مؤشراً على “المسؤولية الوطنية”، فيما دعا نواب كنيست إلى المضي نحو فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة. هذه الترحيبات أوضحت أن المعسكر الاستيطاني قرأ الزيارة باعتبارها تغييراً في قواعد اللعبة، وليس مجرد جولة ميدانية عابرة.
رسالة داخلية سياسية
لكن المؤسسة العسكرية بدت حذرة. ففي حين نشر الجيش بيانات وفيديوهات عن زيارة زامير الرسمية للضفة، امتنع عن ذكر البؤرة أو تفاصيلها، في مؤشر على إدراكه لحساسية المسألة داخلياً وخارجياً. ذلك أن أي إقرار رسمي قد يفتح الباب لمساءلات دولية ويضع إسرائيل في موقف أكثر حرجاً أمام المجتمع الدولي الذي يعتبر جميع المستوطنات في الضفة غير قانونية.
تثير زيارة زامير أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقة بين الجيش والمستوطنين، وما إذا كانت المؤسسة العسكرية بصدد إعادة تعريف دورها بما ينسجم مع رؤية اليمين القومي المتطرف. فهي من جهة رسالة داخلية سياسية، ومن جهة أخرى سلوك يُقوّض ما تبقى من التمايز الشكلي بين مؤسسات الدولة وبين المشروع الاستيطاني. وإذا ما تكررت مثل هذه الخطوات، فقد تعني انزلاق الجيش إلى موقع الشريك العلني في مشروع الضم الزاحف للضفة الغربية، وهو ما يحمل تبعات استراتيجية على الصراع مع الفلسطينيين، وعلى موقع إسرائيل أمام القانون الدولي.







