تكشف المعلومات الواردة من مديرية عبس بمحافظة حجة شمال غرب اليمن عن ملامح كارثة إنسانية تتصاعد بصمت في مناطق سيطرة الحوثيين، مع تفشي الجوع وتسجيل أولى الوفيات المرتبطة بالمجاعة، رغم محاولات السلطات الانقلابية التستر على الحقائق. وفاة الطفلة “أشواق” ليست مجرد حادثة معزولة، بل تمثل نقطة إنذار مبكرة لانهيار المنظومة الإنسانية في تلك المناطق، وسط تراجع كبير في تمويل المنظمات الإغاثية وتوقف شبه كامل للبرامج الغذائية، مما ترك آلاف الأسر دون أي مصدر للبقاء.
مقومات الحياة الأساسية
يشير هذا الوضع إلى تآكل متسارع في مقومات الحياة الأساسية داخل مخيمات النازحين، حيث تنعدم مياه الشرب النظيفة والغذاء والرعاية الصحية، بينما تحاصر الحرارة الشديدة المخيمات المهترئة. وفي ظل تجاهل سلطات الأمر الواقع لمناشدات الأهالي والنشطاء، تتفاقم المخاوف من أن يتحول الجوع إلى مأساة جماعية، خاصة وأن الأجهزة الحوثية تحاول نفي أسباب الوفاة وتحريف الحقيقة عبر وسائل دعائية، في محاولة لتقويض أي تحميل سياسي أو أخلاقي لمسؤولية تدهور الأوضاع.
ويزيد من تعقيد المشهد تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، الذي يرسم صورة قاتمة حول الوضع الزراعي والبيئي في اليمن. فعلى الرغم من هطول أمطار موسمية في أواخر يوليو، فإن تقلبات الطقس، وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تجعل من المحاصيل الزراعية عرضة للإجهاد المائي، وتضعف الإنتاجية وتعزز الاعتماد على الري. هذه العوامل تتقاطع مع ضعف الغطاء النباتي في مناطق الرعي، ما يهدد سبل العيش التقليدية للمجتمعات الريفية، ويزيد من المنافسة على الموارد القليلة المتبقية.
التراجع الحاد في المساعدات
البيئة المناخية القاسية، المترافقة مع التراجع الحاد في المساعدات الإنسانية، تخلق معادلة خطيرة تنذر بتسارع حالات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل. وفي حين تزداد درجة الهشاشة الغذائية في المناطق الساحلية والصحراوية، تفتقد المجتمعات المحلية للموارد والأدوات اللازمة للتكيف، في ظل غياب واضح لأي تدخل فعال من قبل سلطات الأمر الواقع أو المؤسسات الإنسانية.
كما أن محدودية الأمطار في المناطق المرتفعة، وتراجع الغطاء النباتي، تقلل من فرص تعافي الإنتاج الزراعي، وتدفع باتجاه مزيد من الاعتماد على الاستيراد أو المساعدات الخارجية، وهي خيارات شبه مستحيلة حاليًا نتيجة للعزلة المفروضة على بعض المناطق، وتقلص التمويل الدولي. فبحسب تقارير أممية سابقة، وصل تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى أدنى مستوياته منذ بداية الحرب، ما يشكل ضربة قاصمة لمنظومة الإغاثة المعتمدة عليها الملايين.
كارثة إنسانية جديدة
المفارقة اللافتة في هذا السياق أن سلطات الحوثيين، التي لا تتوقف عن الحديث عن المجاعة في غزة ضمن خطابها السياسي والإعلامي، تغض الطرف عن المجاعة الزاحفة في مناطقها، وتتبنى خطابًا إنكاريًا للواقع الميداني. هذا التناقض يعكس استخدامًا سياسيا انتقائيًا للكارثة الإنسانية، ويُظهر افتقار الجماعة لأي رؤية فعلية لمعالجة الأزمة داخل نطاق سيطرتها، فضلًا عن فشلها في الاستفادة من الموارد المتاحة أو تحريك ما تبقى من شبكات الدعم الاجتماعي.
أمام هذه التطورات، يبدو أن المجاعة في اليمن لم تعد سيناريو تحذيريًا، بل واقعًا بدأ يتجسد بأشكاله الأشد قسوة، في ظل صمت دولي وتجاهل سلطات الأمر الواقع. وإذا استمر الانحدار في هذا المسار دون تدخل سريع وفاعل، فإن اليمن على موعد مع كارثة إنسانية جديدة، تتجاوز في تداعياتها الجانب الغذائي لتطال الاستقرار الاجتماعي والسياسي والبيئي، وتعمق من جراح الحرب التي لم تندمل منذ أكثر من تسع سنوات.






