تواجه أوروبا الشرقية موجة جديدة من الاستفزازات الروسية، بعدما أعلنت كل من إستونيا وبولندا أن طائرات مقاتلة روسية انتهكت مجالهما الجوي يوم الجمعة الماضي. ففي إستونيا، التي لم يمضِ وقت طويل على إغلاق مجالها الجوي عقب سقوط مسيّرات روسية في بولندا، حلّقت ثلاث طائرات مقاتلة من طراز “ميغ-31” فوق جزيرة في خليج فنلندا لمدة 12 دقيقة كاملة، ما دفع طائرات تابعة لحلف شمال الأطلسي إلى التدخل فورًا. وفي بولندا، اقتربت مقاتلتان روسيتان من منصة نفطية تابعة لشركة وطنية في بحر البلطيق، على ارتفاع منخفض وصفه المسؤولون بأنه خطير وغير مسبوق. هذه الحوادث المتكررة لا تأتي بمعزل عن المشهد الأوسع، إذ تتزامن مع إعلان الاتحاد الأوروبي حزمة العقوبات التاسعة عشرة على موسكو منذ بدء الحرب في أوكرانيا، ما يجعلها اختبارًا صريحًا لمدى تماسك الغرب وقدرته على الرد.
استراتيجية الكرملين: اختبار الجاهزية
القراءات الغربية للحوادث الأخيرة تكاد تتفق على أن الكرملين يسعى لاختبار جاهزية الناتو وإرادته السياسية. فمنذ اختراق نحو عشرين طائرة مسيّرة روسية الأجواء البولندية في التاسع والعاشر من سبتمبر، بدا وكأن موسكو تعتمد تكتيك “الحافة الحادة”: سلسلة من الانتهاكات المدروسة التي لا ترقى إلى إعلان حرب، لكنها كافية لقياس سرعة رد الحلف وقدرته على الردع. هذا النمط ليس جديدًا، إذ سبق لروسيا أن أرسلت طائرات عسكرية إلى أجواء البلطيق في مايو/أيار الماضي لاعتراض ناقلة نفط مرتبطة بما يعرف بـ”الأسطول الشبح” الذي يتحدى العقوبات الغربية. لكن تكرار هذه الحوادث في فترة زمنية قصيرة يعكس تحوّلًا في نهج موسكو نحو تصعيد محسوب يرمي إلى إرباك خصومها وتوسيع هامش المناورة.
الموقف الأوروبي: بين الردع والتصعيد
إستونيا، الدولة الصغيرة التي تقع على خط التماس المباشر مع روسيا، وصفت الحادثة بأنها “انتهاك وقح وغير مسبوق”، وقدمت احتجاجًا رسميًا إلى الممثل الدبلوماسي الروسي. أما بولندا، فربطت الانتهاك الجديد بمنظومة أوسع من التهديدات الروسية، مؤكدة أن استهداف منصتها النفطية يدخل في إطار الضغط على أمنها الطاقوي. وفي بروكسل، سارعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى التحذير من أن أوروبا “سترد على أي استفزاز بحزم”، فيما شددت الممثلة العليا للسياسة الخارجية كايا كالاس على أن ما جرى “تهديد مباشر للأمن الأوروبي” يستدعي استثمارًا أكبر في تعزيز الجناح الشرقي للناتو. هذا الإجماع الظاهر يخفي في العمق جدلًا داخل العواصم الأوروبية حول كيفية الموازنة بين الردع العسكري وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود أوكرانيا.
الناتو وتوسيع الحضور العسكري
الحلف الأطلسي لم يكتفِ بالإدانة الدبلوماسية، بل أطلق مهمة جديدة تحت اسم “سينتينيل إيست” لتعزيز المراقبة الجوية على طول حدوده الشرقية. وتشارك إسبانيا في هذه المهمة بطائرتين مقاتلتين وطائرة للتزويد بالوقود، في خطوة ترمز إلى أن المواجهة مع روسيا لم تعد تخص دول البلطيق أو بولندا وحدها، بل صارت قضية أوروبية جماعية. ويرى خبراء أن هذه الخطوة تحمل أيضًا رسالة لروسيا بأن أي محاولة لتقويض سيادة دول صغيرة مثل إستونيا ستواجه برد مشترك يضع موسكو أمام معادلة مكلفة.
قراءة أوسع: الرسائل المتبادلة
في جوهرها، تمثل الانتهاكات الجوية الروسية أكثر من مجرد خرق تقني للحدود، فهي رسالة سياسية مركّبة: اختبار للتماسك الغربي، وتشتيت للانتباه عن جبهة أوكرانيا، وإشارة داخلية للروس بأن الكرملين لا يزال قادرًا على فرض نفسه لاعبًا يثير القلق في العواصم الأوروبية. وفي المقابل، رد الناتو مصمم على إظهار الجاهزية، ليس فقط عبر اعتراض الطائرات، بل من خلال تضخيم الرسالة الإعلامية بأن الحلف “متماسك ويستطيع الرد”. هذه الحرب الرمزية على حدود البلطيق قد لا تؤدي إلى مواجهة مباشرة، لكنها تساهم في رفع منسوب التوتر وتضع أوروبا أمام معادلة صعبة: كيف تردع موسكو من دون أن تدفعها إلى تصعيد قد يخرج عن السيطرة؟







