يمثل اغتيال صانعة المحتوى الليبية خنساء مجاهد في منطقة السراج غرب طرابلس حدثاً مفصلياً جديداً في سجل العنف المتفاقم داخل المدن الليبية، ليس فقط لأن الضحية شخصية معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل لأن ظروف الجريمة وطبيعتها والسياق الأمني الذي وقعت فيه تكشف عن أبعاد تتجاوز حادثة قتل فردية، لتصل إلى عمق الأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها ليبيا منذ أكثر من عقد. فالحادث جاء في منطقة يفترض أنها تحت سيطرة الأجهزة الأمنية الرسمية، وفي توقيت حساس يشهد تصاعداً في الانفلات الأمني، بما يجعل الجريمة مؤشراً على خلل مركب يتداخل فيه العامل السياسي مع ضعف المؤسسات الأمنية وتعدد الجهات المسلحة.
تصفية حسابات سياسية وأمنية
أول دلالة يمكن رصدها في هذه الواقعة هي هشاشة البيئة الأمنية في العاصمة طرابلس، رغم الخطاب الرسمي المتكرر حول فرض الأمن ونشر الدوريات وملاحقة الجماعات الخارجة عن القانون. فعملية إطلاق النار تمت في وضح النهار تقريباً، في منطقة مكتظة، وبأسلوب يدل على قدرة المنفذين على التحرك دون خوف من الملاحقة أو التدخل الفوري. إذ تظهر الصور المتداولة آثار رصاص كثيف على زجاج السيارة، وهو ما يشير إلى أن العملية كانت مخططة، وليست عملاً عشوائياً أو ناتجاً عن مشاجرة. وجود كاميرات، وشهود، وحركة سير، لم يمنع تنفيذ الجريمة، وهو ما يضع النقاش مجدداً حول تساؤل كبير: من يملك حق استخدام القوة داخل طرابلس؟ وهل الأجهزة الرسمية قادرة فعلاً على ضبط أداء المجموعات المسلحة وفرض سلطة القانون؟
وتتعمق الدلالات أكثر عند مراجعة ما أعلنت عنه المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان حول أن عملية القتل قد لا تكون موجّهة إلى خنساء مجاهد نفسها، بل إلى زوجها معاذ المنفوخ، وهو شخصية سياسية وأمنية لها ارتباطات ونفوذ في مدينة الزاوية، وشارك سابقاً في لجنة الحوار السياسي. هذه الرواية، حتى لو كانت أولية، تعيد طرح قضية تصفية الحسابات السياسية والأمنية بين أطراف داخل معسكر الغرب نفسه، خاصة في ظل التنافس بين القوى المسلحة التابعة لجهات مختلفة داخل طرابلس والزاوية. فاستهداف سيارة يقال إنها غالباً ما كانت تُقاد من قبل المنفوخ، يوحي بأن الجناة لديهم معرفة دقيقة بتحركاته، ويعكس طبيعة الصراع بين التشكيلات المسلحة التي صارت، في كثير من الأحيان، تمتلك قدرات استخباراتية خاصة بها، وتستطيع تنفيذ عمليات نوعية.
تصاعد العنف المسلح ضد المشاهير
أما الدلالة الثالثة، فهي ارتباط الجريمة بما وصفته المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بـ”تورط عناصر خارجين عن القانون تابعين لجهاز الأمن العام والتمركزات الأمنية”. هذا الاتهام المباشر يشير إلى مشكلة جوهرية داخل القطاع الأمني الليبي: غياب الهيكلة الموحدة، وتحول العديد من الأجهزة الرسمية إلى مظلة تعمل تحتها مجموعات مسلحة ذات ولاءات محلية أو شخصية. فوجود عناصر “خارجة عن القانون” لكن تعمل تحت اسم جهاز رسمي، يطرح إشكاليات كبيرة حول طبيعة هذا الجهاز، ومدى انضباطه، والضمانات التي يملكها المواطنون في التعامل معه. كما يشير إلى أن بعض الكيانات الأمنية باتت تُستخدم لتصفية الخصوم أو لتنفيذ عمليات خارج إطار القانون، ما يقوض مفهوم الدولة ويعمق الانقسام بين الأجهزة نفسها.
ومن بين الدلالات البارزة أيضاً، أن اغتيال خنساء مجاهد يحرك سؤالاً حساساً حول استهداف النساء في الفضاء العام. فالضحية ليست ناشطة سياسية، ولا صحفية، ولا شخصية معارضة، بل تعمل في مجال التجميل والأزياء، وهي من الشخصيات المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي بين شريحة كبيرة من النساء. وهذا يفتح باب النقاش حول مدى الأمان الذي تتمتع به المرأة الليبية في ظل بيئة أمنية منفلتة، وحول قدرة الدولة على توفير حماية للنساء والفئات المدنية أمام تصاعد العنف المسلح. انتشار صور الضحية بعد مقتلها، وتداول مقاطع تُظهر لحظاتها الأخيرة، يعكس حجم الصدمة المجتمعية، لكنه يكشف أيضاً عن التطبيع مع مشاهد العنف، وإحساس الليبيين بغياب الدولة كفاعل ضامن للحياة اليومية.
هل الاغتيالات جزء من رسائل القوة؟
إلى جانب ذلك، تكشف ردود الفعل الشعبية الغاضبة على منصات التواصل الاجتماعي عن حالة استياء عامة تجاه نمط الجرائم التي تُرتكب دون كشف الجناة. فالمجتمع الليبي يعيش منذ سنوات حالة من الإحباط من تراكم جرائم القتل والخطف والتصفية والاعتداءات التي غالباً لا يتحمل مرتكبوها أي مسؤولية، بل يفلتون من العقاب بفعل الحماية السياسية أو السطوة المسلحة. لذلك، جاء اغتيال خنساء مجاهد ليكون جزءاً من سلسلة حوادث يرى فيها المواطنون مؤشراً على دولة عاجزة عن فرض القانون، وعلى مؤسسات غير قادرة على تقديم العدالة، ما يعمق فقدان الثقة في النظام العام وفي الأجهزة الأمنية.
كما يحمل توقيت الجريمة بُعداً إضافياً. فهي تأتي متزامنة مع ارتفاع الحديث السياسي عن الصراع داخل الغرب الليبي بين الحكومة والمجلس الرئاسي وتنامي نفوذ مجموعات مسلحة تسعى لتأكيد حضورها قبيل أي عملية سياسية مرتقبة برعاية الأمم المتحدة. وفي مثل هذا السياق، تصبح الاغتيالات جزءاً من رسائل القوة، أو وسيلة لحسم صراعات داخلية غير معلنة بين مراكز النفوذ. من هنا، فإن حادثة اغتيال شخصية قريبة من قيادي محلي مثل المنفوخ قد تكون إشارة إلى وجود تحولات داخلية في موازين القوة أو صراع بين جهات أمنية متنافسة، وهو ما يحتاج إلى متابعة دقيقة.
ولعل أخطر دلالة في هذه الجريمة تكمن في أن تنفيذها تم بشكل احترافي نسبياً، وأن الجناة تمكنوا من الفرار دون مواجهة أو توقيف. وهذا يشير إلى أن المنفذين يمتلكون غطاءً قوياً، أو قدرة على التحرك دون خوف، سواء بسبب ارتباطهم بجهة مسلحة نافذة، أو بسبب معرفة مسبقة بأن ردة الفعل الأمنية لن تكون مؤثرة. هذه النقطة في حد ذاتها تعكس مستوى العجز الذي يواجهه جهاز الداخلية، سواء على مستوى المعلومات أو على مستوى فرض السيطرة الفعلية على الأرض.
انهيار أمني وتآكل السلطة
على الجانب الآخر، فإن إعلان وزير الداخلية فتح تحقيق عاجل وتشكيل فريق متخصص يعكس رغبة رسمية في احتواء الغضب الشعبي وطمأنة الرأي العام. غير أن التجارب السابقة تجعل كثيرين يشككون في نتائج هذه التحقيقات، ما لم يتم الإعلان بشكل شفاف عن تقدم حقيقي في التعرف على الجناة ومحاسبتهم. فالتجربة الليبية حافلة بإعلانات مشابهة لم تتطور لاحقاً إلى إجراءات فعلية، سواء بسبب ضغوط سياسية أو بسبب ضعف القدرة على اختراق المجموعات المسلحة.
اغتيال خنساء مجاهد لم يكن مجرد جريمة جنائية معزولة، بل هو مرآة تعكس حالة الانهيار الأمني، وتزايد نفوذ مجموعات السلاح، وتآكل سلطة الدولة، وغياب العدالة، وتداخل السياسي بالأمني في ليبيا. وهو أيضاً مؤشر على اتساع دائرة المخاطر التي تتهدد المواطنين، حتى أولئك الذين لا ينخرطون في الشأن العام. وستظل الجريمة عنواناً إضافياً في سجل طويل من الاغتيالات التي لن يتوقف أثرها عند الصدمة الآنية، بل ستعمق الشعور بأن البلاد تتجه إلى نموذج “اللادولة”، ما لم يتم اتخاذ تدابير جدية لإعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس مهنية وتحت قيادة مركزية واضحة، قادرة على استعادة هيبة الدولة وحماية أرواح المدنيين.







