اعتبر الكاتب ياسين الحاج صالح، في مقال نشره في صحيفة القدس العربي، أن سوريا خضعت خلال الحقبة الأسدية لعملية «تَصحير سياسي» ممنهجة أدت إلى فراغ واسع في المجال العام، بعدما حرص النظام على أن يكون البديل الوحيد لنفسه، وهو ما تبنته أيضاً قوى دولية وشريحة من السوريين. وأوضح أن محاولات إحياء العمل الحزبي في العقد الذي سبق الثورة ظلت محدودة، إذ بقيت تلك التنظيمات في حدود مئات الأعضاء وفاقدة لزخمها السابق مع تراجع القومية العربية والأفكار الاشتراكية، رغم حفاظها على خط معارض في ظروف صعبة.
وأضاف الحاج صالح أن سنوات الصراع أفرزت قوى مسلحة أهلية، خصوصاً في البيئات السنية والكردية. ففي حين تمكّن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من احتكار السلاح في مناطقه اعتماداً على خبرة قتالية سابقة ودعم النظام عام 2012، شهدت البيئات السنية تعدداً واسعاً في الفصائل المسلحة التي وصلت في بعض المراحل إلى المئات، مع موجة أسلمة سريعة تميل إلى النموذج السلفي الجهادي. ويرى الكاتب أن هذه الأسلمة المفاجئة تعكس هشاشتها وطابعها المُختلَق، مرجعاً ذلك إلى دور شبكات تمويل سلفية خليجية.
وتابع أن سقوط الحكم الأسدي، الذي اعتبر العلويون وقوداً أساسياً لحربه، كشف تمثيلاً أهلياً شبه حصري لمكونات المجتمع السوري، وبقاء السوريين موزعين على هويات طائفية وقومية من دون وجود قوى سياسية عابرة لهذه الانقسامات. وأشار إلى أن ائتلافاً فصائلياً سنياً يتصدر اليوم موقع الدولة، إلا أن تركيبه الفصائلي وعدم تمايزه عن البيئات السنية المحلية يثيران الشكوك حول قدرته على التحول إلى دولة عامة، لافتاً إلى ضلوعه في مجازر في الساحل والسويداء.
ويقول الحاج صالح إن العلويين باتوا من دون قيادة أو تمثيل سياسي، حتى الرمزي أو الديني، وأن الشخصيات التي ظهرت في هذا الإطار تبدو مفتعلة أو بعيدة عن البيئة المحلية. فالحكم الأسدي كان يمثل التحقق السياسي للطائفة، ومع سقوطه وجدت نفسها مكشوفة سياسياً ومعرضة للاستباحة، مع تعاظم نزعات كيانية داخلها، خاصة بعد مجازر آذار.
ويضيف أن المجتمع الدرزي في السويداء تحول إلى «مركّب أهلي مسلح» يسعى نحو صيغة استقلالية بعد مجازر تموز، ما أضعف التيارات الوطنية الداخلية لصالح التوجهات الكيانية. أما حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي فترسل قيادته رسائل متباينة بين الاندماج المشروط، والإبقاء على الوضع الحالي، وإدماج موالين للنظام، مع استمرار القبضة الأمنية المشددة، وصولاً إلى حظر الاحتفال بذكرى سقوط النظام الأسدي. ويرى الكاتب أن الوضع مرشح للانفجار وإعادة توزيع السلطة والجغرافيا والسكان في مناطق من الجزيرة وحلب.
وشدد الحاج صالح على أن التحديات المتراكمة تفرض ترتيبات سياسية جديدة تراعي تعدد المجتمع السوري وتمنح تمثيلاً على ثلاثة مستويات: دولة مركزية عامة لا تخضع لفئة واحدة، سلطات محلية ذات إدارة أوسع، وتعدد حزبي يسمح بمشاركة فعالة للسكان ويخلق دينامية تتجاوز الانقسامات الأهلية. وأكد أن الدولة الحالية، بتركيبتها الأهلية والأمنية، ليست مؤهلة لإعادة لُحمة المجتمع بل تُكرّس الانقسام وتفتح الباب أمام احتمالات تشظّي سوريا إلى كيانات متعددة.
وأشار إلى أن استمرار الفراغ السياسي يقابله امتلاء أمني أو أهلي أو مزيج منهما، كما كان الحال في الحقبة الأسدية ويمتد اليوم إلى السويداء والجزيرة وبعض البيئات العلوية. ولفت إلى أن الهيئة السياسية التي ورثت ممتلكات حزب البعث لا تمثل قوة سياسية بل «جهاز حراسة» للفراغ، وأن مفهوم الحزب الواحد لا يؤدي إلى بناء عمل سياسي بل يكرّس سلطة أمنية فئوية.
وختم الحاج صالح بالتحذير من أن فرض نمط «الأمن الأهلي» الضيق على مجتمع متنوع كالمجتمع السوري يحمل خطر الانفجار، خاصة مع انتشار السلاح، وتراكم آثار موجتين من المجازر، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية. واعتبر أن ما يجري اليوم يكرر مقدمات انهيار الحكم الأسدي، لكن في ظروف أكثر هشاشة وتعقيداً، داعياً السوريين إلى مواجهة الواقع بوضوح.







