أعلنت إسبانيا، بلسان رئيس وزرائها بيدرو سانشيز، رفضها الانضمام إلى “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في موقف يعكس تبايناً متنامياً بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية حول مقاربة إدارة ملف غزة وما بعد الحرب. القرار الإسباني لم يأتِ معزولاً، بل تزامن مع موجة تحفّظات أوروبية أوسع، طالت نطاق المجلس، ومرجعيته القانونية، وتركيبته السياسية.
سانشيز: رفض بدافع الاتساق لا القطيعة
من بروكسل، وعلى هامش قمة للاتحاد الأوروبي، أوضح سانشيز أن بلاده “تقدّر الدعوة لكنها ترفضها”، مؤكداً أن القرار يستند إلى منطق الاتساق السياسي والقانوني. فبالنسبة لمدريد، لا يمكن الانخراط في آلية دولية جديدة إذا لم تنسجم مع النظام المتعدد الأطراف، ولا مع منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي اللذين تعتبرهما إسبانيا حجر الزاوية في أي تسوية مستدامة.
وأشار رئيس الوزراء الإسباني بوضوح إلى أحد أبرز أسباب الرفض، والمتمثل في غياب السلطة الفلسطينية عن المجلس، معتبراً أن أي إطار يُفترض به إدارة السلام أو إعادة الإعمار في غزة لا يمكن أن يتجاهل الطرف الفلسطيني، أو يتعامل مع القضية بوصفها مسألة تقنية منفصلة عن جذورها السياسية.
غزة في قلب الرؤية الإسبانية
هذا الموقف عزّزه وزير الخارجية الإسباني خوسيه ألباريس، الذي شدد في تصريحاته على ضرورة أن يكون الفلسطينيون في صلب أي ترتيبات تخص غزة. وأوضح أن وقف إطلاق النار القائم، رغم خرقه المتكرر، يجب أن يشكل الأساس لسلام عادل ودائم، لا مجرد هدنة هشة. كما دعا إلى فتح المعابر الحدودية العربية بشكل كامل أمام المساعدات الإنسانية، معتبراً أن الوضع الإنساني لم يعد يحتمل أنصاف الحلول.
وفي بعده السياسي، شدد ألباريس على ضرورة الانتقال إلى تنفيذ الشق السياسي من أي اتفاق، بما يشمل تشكيل حكومة فلسطينية واحدة تدير غزة والضفة الغربية معاً، في محاولة لإنهاء حالة الفصل الجغرافي والسياسي التي عمّقت الأزمة خلال السنوات الماضية.
تحفّظات أوروبية على الإطار والمرجعية
الموقف الإسباني لم يكن استثناءً داخل الاتحاد الأوروبي. فقد عبّر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن “شكوك جدية” لدى القادة الأوروبيين بشأن نطاق عمل مجلس السلام، وطريقة إدارته، ومدى توافق ميثاقه مع ميثاق الأمم المتحدة. ورغم إبداء الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة والمجلس الجديد في ما يخص غزة، فإن هذا الاستعداد يبدو مشروطاً بإعادة ضبط الإطار القانوني والسياسي للمبادرة.
كوستا أوضح أن الهدف المعلن للمجلس، والمتمثل في الإشراف على إعادة إعمار غزة، لا ينسجم بالضرورة مع الصلاحيات الواسعة التي يمنحها له ميثاقه، والذي لا يقيّد دوره جغرافياً بالأراضي الفلسطينية، ما يفتح الباب أمام مخاوف من تمدد سياسي يتجاوز التفويض الإنساني المعلن.
لندن وباريس… اعتراضات تتجاوز التفاصيل
على الضفة الأخرى من القناة الأوروبية، لم تُخفِ لندن استهجانها توجيه دعوة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى المجلس، في خطوة رأت فيها تناقضاً مع السياق الدولي القائم، ومع العقوبات والمواقف الغربية من الحرب في أوكرانيا.
أما باريس، فذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن الميثاق بصيغته الحالية لا يتوافق مع التزاماتها الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة بعضويتها في الأمم المتحدة، وهو موقف يعكس حساسية فرنسية تقليدية تجاه أي مبادرات قد تُفسَّر بوصفها التفافاً على الشرعية الدولية.
مجلس بلا إجماع دولي
حتى الآن، يبدو “مجلس السلام” الأميركي محاطاً بعزلة دبلوماسية لافتة. فباستثناء الولايات المتحدة، لم توافق أي دولة أخرى من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي على الانضمام إليه، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرته على لعب دور فعّال أو اكتساب شرعية دولية حقيقية.
وفي ظل هذا المشهد، يظهر أن الخلاف لا يقتصر على تفاصيل إجرائية، بل يمس جوهر المقاربة السياسية لإدارة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: هل يكون عبر أطر جديدة تقودها قوة واحدة، أم من خلال إعادة الاعتبار لمنظومة دولية متعددة الأطراف ترى فيها أوروبا، وإسبانيا على وجه الخصوص، الضمانة الوحيدة لسلام عادل ودائم.







