في ظرف ساعات قليلة، تحوّل الخليج العربي إلى مسرح لتصعيد محتمل بين واشنطن وطهران، بعد أن كثّفت الولايات المتحدة من تواجدها العسكري في المنطقة، بينما ردّت إيران بتهديدات مباشرة، وهو ما أعاد إلى الواجهة احتمال تنفيذ عملية عسكرية أمريكية، ربما بالتنسيق مع إسرائيل.
وسط هذه الأجواء المشحونة، تبدو الصورة واضحة: إعلان القوة من جانب واشنطن، وردّ عاطفي وغاضب من طهران، يشي بأن المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوتر قد تتطور بسرعة إذا لم تَجِد الأطراف مسارات لتخفيف التصعيد.
الولايات المتحدة: استعراض قوة أم تحذير محسوب؟
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إرسال قوة بحرية كبيرة إلى الخليج العربي، تضم حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» ومدمرات مزودة بصواريخ موجهة، مع تأكيده أن واشنطن تراقب تحركات إيران “عن كثب”، وأنها قد لا تضطر لاستخدام هذه القوة، لكن وجودها وحده يُعد رسالة واضحة. في هذا السياق يبرز سؤال جوهري: هل الهدف من هذا التحرك هو الردع فقط، أم تهيئة أرضية لعملية عسكرية محتملة؟
التحليل العسكري والسياسي يشير إلى أن واشنطن في مثل هذه الحالات تلجأ إلى استعراض القوة لأكثر من سبب في آن واحد. أولاً، لإرسال رسالة داخلية تُظهر القوة أمام الجمهور الأمريكي في ظل ضغوط سياسية داخلية، وثانيًا لردع طهران عن أي خطوة عسكرية أو تصعيد مباشر. أما السبب الثالث، وهو الأخطر، فهو تهيئة البيئة لعملية محدودة إذا ما اعتُبر ذلك ضرورياً، خصوصًا إذا كانت هناك رغبة في توجيه ضربة استباقية أو ردع “فعلي” لا يقتصر على الكلام.
وهنا تكمن الخطورة: فكلما ارتفع مستوى الاستعراض، زادت احتمالات وقوع حادث يخرج عن السيطرة، وقد تتحول خطوة تهدف إلى الردع إلى شرارة مواجهة غير محسوبة، خاصة في منطقة تشهد تاريخًا من التصعيد السريع بين الطرفين.
إيران: التهديد بصواريخ «الاستثمارات»… ورفع سقف المواجهة
لم تتأخر طهران في الرد، بل ذهبت إلى خطوة أكثر إثارة: تهديد واضح للاستثمارات الأمريكية في المنطقة. جاء ذلك على لسان رجل دين رفيع المستوى، محمد جواد حاج علي أكبري، الذي قال إن “تريليونات الدولارات التي استثمرتموها في المنطقة مهددة بصواريخنا”.
هذا النوع من الخطاب ليس مجرد تهديد عابر؛ بل هو محاولة لإعادة تعريف المواجهة على أساس اقتصادي واستراتيجي، إذ تُفهم الرسالة على أنها:
تهديد مباشر للبنية الاقتصادية الأمريكية في الخليج، وليس فقط لمواقع عسكرية.
تأكيد أن إيران ليست رهينة في مواجهة عسكرية تقليدية، بل تمتلك أدوات ضغط قد تضرب مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بشكل غير مباشر.
التوتر الداخلي الإيراني: هل يحاول النظام توجيه الانتباه للخارج؟
في الوقت نفسه، بدا أن إيران تحاول تهدئة المخاوف الدولية بشأن الوضع الداخلي، خصوصًا بعد اتهامات متزايدة بقمع احتجاجات دامية. وفي هذا السياق، خرج المدعي العام الإيراني محمد موحدي لينفي ما تردد عن إلغاء مئات عمليات الإعدام، مؤكداً أن هذه الادعاءات “عارية عن الصحة”، وأن القضاء لم يتخذ أي قرار بهذا الخصوص. ولم يقتصر التوضيح على ذلك، بل أضاف وزير الخارجية عباس عراقجي أن “لا توجد أي خطة لإعدام أي شخص”، في محاولة واضحة لامتصاص الغضب الدولي وتقليل سقف التوتر حول ملف حقوق الإنسان في إيران.
هذه الخطابات يمكن فهمها على أنها محاولة لتخفيف الضغوط الخارجية عبر إظهار نوع من المرونة أو على الأقل الترويج لصورة تهدئة، لكن في الوقت نفسه تحمل بعدًا داخليًا. إذ يبدو أن النظام الإيراني يستغل التوتر الخارجي لتوحيد الداخل، عبر خلق “عدو خارجي” يُمكن أن يبرّر أي إجراءات قمعية محتملة لاحقًا، أو على الأقل يشتت الانتباه عن أزمة الشرعية التي يواجهها داخليًا.
وفي حين تتبادل واشنطن وطهران الرسائل، بدأت الدول الغربية الأخرى أيضاً في التحرك، بما يشي بأن المشهد لم يعد ثنائيًا. فقد أعلنت بريطانيا نشر أربع طائرات مقاتلة من طراز تايفون في قطر، موضحة أن ذلك جاء بناءً على طلب الدوحة كإجراء دفاعي. وعُرض هذا التحرك على أنه جزء من الأمن الجماعي والتعاون مع الشركاء في المنطقة، لكن من زاوية تحليلية، يحمل هذا الحشد دلالة أعمق، إذ يشير إلى أن التوتر لم يعد مسألة بين الولايات المتحدة وإيران فقط، بل أصبح قضية إقليمية وعالمية. كما يرسل إشارة واضحة بأن الجبهة الغربية تريد أن تبدو موحدة، وهو ما يزيد الضغط على طهران ويعزز من الإحساس بأنها محاطة بخيارات محدودة.
ومع هذا التصعيد في الخطاب والتحشيد العسكري، يبقى السؤال الأهم: هل هذا التوتر قابل للانفجار؟ المشهد الحالي يضع المنطقة أمام احتمالات متعددة. قد تستمر التوترات في شكل تبادل رسائل وتهديدات دون أن يتحول الأمر إلى مواجهة مباشرة، وهو السيناريو الذي يراه البعض الأكثر احتمالًا إذا حافظت واشنطن على سياسة الردع دون التحول إلى استعداد فعلي للحرب. لكن هناك أيضًا احتمال أن يحدث حادث عسكري محدود، ربما نتيجة خطأ حسابي أو حادث عرضي، يتحول بسرعة إلى مواجهة أكبر. وفي أسوأ الحالات، قد تتحول التوترات إلى مواجهة واسعة إذا قررت واشنطن أو إسرائيل تنفيذ ضربة استباقية، أو إذا ردّت إيران على أي ضربة محتملة. وبغض النظر عن السيناريو الأكثر واقعية، يبقى أن تاريخ التصعيد بين الطرفين والتوترات المتراكمة يجعل احتمال وقوع حادث كبير غير مستبعد، ما يضع المنطقة على صفيح ساخن لا يمكن التنبؤ بتطوراته بدقة.
بين الاستعراض والتهديد… الخليج على صفيح ساخن
التحركات الأمريكية والإيرانية الأخيرة ليست مجرد “تبادل تصريحات”، بل هي جزء من منطق تصعيد متبادل يُعيدنا إلى سيناريوهات قديمة من المواجهة. وعلى الرغم من أن واشنطن تكرر أن الهدف هو الردع، وأن إيران تؤكد أنها لا تريد حرباً، إلا أن الخطاب العسكري، والحشد البحري، والتهديدات الاقتصادية تشير إلى أن المنطقة قد تكون أمام “مرحلة جديدة” من التوتر.







