اتجه آلاف الشباب والخريجين في غزة قبل الحرب، إلى العمل عبر الإنترنت، في مجالات البرمجة، والتصميم الجرافيكي، والترجمة، وصناعة المحتوى، وخدمات الدعم التقني، إضافة إلى التجارة الإلكترونية والتعليم عن بُعد.
هذا التحوّل لم يكن ترفًا، بل استجابة واقعية لاقتصاد محاصر وبطالة مرتفعة، لكن مع انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدمير شبكات الاتصالات، وتعطّل الإنترنت أو ضعفه الشديد، تحوّل العمل عن بُعد من فرصة إنقاذ إلى حلم مؤجل.
تأثير الحرب على فرص العمل
وفقّد الكثير من العاملين بهذا المجال عقودهم مع شركات ومنصات خارجية، بسبب عدم القدرة على الالتزام بالمواعيد أو تسليم المشاريع. ولم ينعكس توقّف الاقتصاد الرقمي فقط على الدخل الفردي، بل امتّد ليؤثر على الاستقرار النفسي والاجتماعي، حتى أن عائلات كانت تعتمد على دخل ثابت نسبيًا من العمل الحر، وجدّت نفسها فجأة بلا مورد، في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء والخدمات، وتتقّلص فرص العمل التقليدية إلى حدها الأدنى.
“الأيام الأولى لحرب الإبادة حوّلت العمل في تصميم الجرافيك إلى سباق مع الوقت، كان يجب أن أجهز المطلوب دون تأخير إلا أن انقطاع الاتصال والإنترنت أحدث حالة من العجز في العمل، أدى إلى فقدان الزبائن لصبرهم على تأخر العمل. حاولتُ سد العجز عن طريق الذهاب إلى كافيهات أو استراحات توفر خدمة الإنترنت، إلا أنه لم يكن بالجودة المطلوبة وأصبحت الأعمال لا تصل كما هو مطلوب”. حسب تصريحات خليل عيد، الذي يعمل “فري لانسر” عبر الإنترنت، لوكالة “صفا”.
دمار البنية التحتية لشبكات الاتصالات
ويشير إلى أن صبر رب العمل لم يكن بالقدر الكافي لإكمال مشوار العمل معهم، فأضحى بدون عمل، ليخسر جميع عملائه خلال فترة بسيطة، ويفقد دخله بالكامل. ولم تكن الخسارة، كما يقول عيد، مادية فقط بل تولد في نفسه شعورًا بالعجز يعد انهيار جهد سنوات في دقيقة واحدة ولأسباب خارجة عن إرادته.
“تدمير شبكات الاتصالات وضعف الإنترنت حوّل عملها في تعليم القرآن الكريم لغير الناطقين باللغة العربية إلى عبء كبير، حيث أصبح الالتزام بالمواعيد أمرًا صعبًا للغاية، وبالتالي توقف حلقات التعليم وفقدانها لمصدر دخلها. لم أفقد عملي بسبب تقصير أو ضعف كفاءة، بل لأن بيئة العمل في غزة لم تعد توفّر الحد الأدنى من الاستقرار الذي يتطلبه العمل عن بعد. لم يعد الطلبة في الخارج مستعدين لتحمّل مخاطر الدفع في ظل هذا الواقع، فتوقفت حلقات التعليم واحدة تلو الآخرى”. حسب تصريحات رواء لوكالة “صفا”.
ارتفاع معدلات البطالة
الحرب الإسرائيلية على القطاع طالت البنية التحتية التي يقوم عليها أي نشاط رقمي. كما أن القصف الإسرائيلي طال شبكات الاتصال والإنترنت، ما جعّل الوصول إلى الإنترنت بشكل مستمر شبه مستحيل، ما أدى لتأثر العمل عن بُعد. وهناك أماكن عامة وشركات كانت وفّرت الإنترنت وأجهزة الحاسوب والكهرباء، لتساعد أرباب العمل عن بُعد، لكنها قُصفت وتعرضت للتدمير الكامل أو أُغلقت قسرًا، بسبب النزوح. حسب تصريحات المختص في الشأن الاقتصادي سمير أبو مدللة.
هذه التطورات، وفقًا للمختص أبو مدللة، انعكست مباشرة على سوق العمل في غزة، إذ ارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من 80%. موضحًا أن شريحة كبيرة من الشباب الذين كانوا يعتمدون على العمل عبر الإنترنت فقدوا مصادر دخلهم بالكامل.
ويؤكد أنه لا يمكن فصل أزمة الاقتصاد الرقمي عن الانهيار الاقتصادي الشامل.






