يستعد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للبقاء على رأس السلطة التنفيذية لولاية جديدة، بعدما حقق حزبه الحاكم، حزب الرخاء، فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ما يمنحه أغلبية مريحة داخل البرلمان المقبل.
وأظهرت النتائج الرسمية حصول الحزب الحاكم على الغالبية الساحقة من المقاعد التي جرى التنافس عليها، الأمر الذي يجعل إعادة انتخاب آبي أحمد من قبل مجلس نواب الشعب خلال افتتاح الدورة البرلمانية المقبلة مسألة شبه محسومة. ومن المنتظر أن يختار البرلمان الجديد رئيس الوزراء بين نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، في خطوة ستكرس استمرار الرجل الذي يقود البلاد منذ عام 2018.
من رمز للإصلاح إلى هدف للانتقادات
عندما وصل آبي أحمد إلى السلطة قبل ثمانية أعوام، استقبلته الأوساط الدولية باعتباره وجها إصلاحيا قادرا على فتح صفحة جديدة في تاريخ إثيوبيا السياسي. وشهدت سنواته الأولى إطلاق سراح معتقلين سياسيين وصحفيين ورفع بعض القيود المفروضة على الحياة العامة، وهي خطوات منحته إشادة دولية واسعة وأفضت لاحقا إلى حصوله على جائزة نوبل للسلام.
لكن هذه الصورة شهدت تحولا تدريجيا خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكومته بسبب التضييق على المعارضة واعتقال صحفيين وناشطين، إلى جانب استمرار النزاعات المسلحة في عدد من الأقاليم الإثيوبية.
انتخابات لم تشمل كامل البلاد
ورغم حجم الانتصار الذي حققه حزب الرخاء، فإن الانتخابات لم تجر في جميع أنحاء البلاد. فقد بقيت عشرات المقاعد البرلمانية شاغرة نتيجة تعذر تنظيم الاقتراع في بعض المناطق التي تشهد توترات أمنية أو تداعيات نزاعات سابقة.
وفي إقليم تيغراي شمال البلاد، لم تُنظم الانتخابات للمرة الثانية على التوالي منذ اندلاع الحرب التي استمرت بين عامي 2020 و2022 بين القوات الفيدرالية والقوات المحلية. وخلف النزاع واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، مع سقوط مئات الآلاف من الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان.
شبح الصراع يعود إلى تيغراي
ورغم توقيع اتفاق سلام أنهى الحرب رسميا، فإن التوترات بين الحكومة الفيدرالية وسلطات تيغراي عادت إلى الواجهة خلال الأشهر الأخيرة، وسط تبادل للاتهامات بشأن التحضير لمواجهات جديدة.
وأثارت التحركات العسكرية الأخيرة على حدود الإقليم مخاوف محلية ودولية من احتمال انهيار التفاهمات التي أوقفت الحرب، خاصة في ظل استمرار الخلافات السياسية والأمنية بين الطرفين.
أمهرة وأوروميا.. تحديات أمنية مستمرة
لم تقتصر الصعوبات على إقليم تيغراي، إذ واجهت العملية الانتخابية عراقيل أمنية في مناطق أخرى من البلاد. ففي إقليم أمهرة، أحد أكبر الأقاليم الإثيوبية، حالت المواجهات المستمرة بين القوات الحكومية وميليشيات فانو دون تنظيم الانتخابات في عدد من الدوائر.
كما شهد إقليم أوروميا اضطرابات مرتبطة بأنشطة جيش تحرير الأورومو، الذي يواصل مواجهته المسلحة مع السلطات الفيدرالية. وتسببت هذه التطورات في تعطيل العملية الانتخابية في بعض المناطق وتقليص قدرة الناخبين على المشاركة.
الاتحاد الإفريقي يرصد انتخابات في ظروف معقدة
أشارت بعثة مراقبة الانتخابات التابعة للاتحاد الإفريقي إلى أن الاقتراع جرى في بيئة أمنية معقدة، خاصة في أجزاء من أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا، حيث أثرت التحديات الأمنية على الحملات الانتخابية والاستعدادات اللوجستية ومستويات المشاركة الشعبية.
ورغم هذه الظروف، اعتبرت السلطات الإثيوبية أن الانتخابات تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز المؤسسات السياسية واستمرار المسار الدستوري في البلاد.
رهان اقتصادي يوازي التحديات السياسية
إلى جانب الملفات الأمنية، يواصل آبي أحمد تقديم نفسه بوصفه مهندس مشروع اقتصادي يهدف إلى تحديث إثيوبيا وتحويلها إلى قوة اقتصادية إقليمية. ومنذ توليه السلطة، أطلقت الحكومة سلسلة من المشاريع الكبرى شملت تطوير البنية التحتية وتجديد المدن الرئيسية وتنفيذ إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تقليص هيمنة الدولة على بعض القطاعات.
وفي هذا السياق، بدأت السلطات مطلع العام الجاري تنفيذ مشروع إنشاء أكبر مطار في القارة الإفريقية، في خطوة تعكس طموح أديس أبابا لتعزيز موقعها كمركز اقتصادي ولوجستي رئيسي في شرق إفريقيا.
غير أن نجاح هذه الرؤية يبقى مرتبطا بقدرة الحكومة على احتواء النزاعات الداخلية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي، في بلد يضم أكثر من 130 مليون نسمة ويواجه تحديات أمنية وعرقية متشابكة.




