تشهد صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، حالة من الغليان في ظل تداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حيث تظهر مؤشرات مقلقة بين صفوف جنود وقادة الاحتلال، حيث تشير معطيات حديثة إلى تصاعد ملحوظ في حالات الانتحار بين الجنود، ما يعكس أزمة نفسية متفاقمة تتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية.
وتحاول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، احتواء تداعيات هذه الظاهرة، وهنا تبرز تساؤلات جدية حول كفاية منظومة الدعم النفسي، ومدى قدرتها على التعامل مع آثار الصدمة والإجهاد المزمن، خاصة مع تزايد الشهادات التي تشير إلى فجوات في الرعاية وإجراءات المتابعة، ما يضع هذه الأزمة في صلب النقاش حول كلفة الحرب غير المرئية داخل الجيش.
ظاهرة الانتحار تخترق جيش الاحتلال
صحيفة هآرتس العبرية، ذكرت أن ما لا يقل عن 10 جنود في الخدمة الفعلية، أقدموا على الانتحار منذ بداية عام 2026، بينهم 6 خلال الشهر الجاري، في مؤشر على تسارع وتيرة الظاهرة. وتشمل المعطيات أيضًا 3 جنود احتياط خدموا خلال الحرب وأنهوا حياتهم خارج الخدمة هذا الشهر، إلى جانب حالتي انتحار في صفوف الشرطة، من بينهما عنصر في “حرس الحدود”.
ويأتي ذلك ضمن منحى تصاعدي مستمر منذ اندلاع الحرب، إذ سجلت 17 حالة انتحار في عام 2023، منها 7 بعد بدء حرب الإبادة في غزة، قبل أن يرتفع العدد إلى 21 في 2024، و22 في 2025، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ نحو 12 حالة خلال العقد السابق، مع تسجيل 28 حالة كأعلى رقم في عام 2010.
وتظهر بيانات عام 2026 أن جنود الاحتياط يشكلون النسبة الأكبر من الحالات، بواقع 5 حالات، مقابل 3 في صفوف الخدمة الإلزامية، وحالتين في الخدمة الدائمة، ما يعكس حجم الضغط الذي يتحمله هذا المكون من القوات.
قلق داخل المؤسسة العسكرية
وفي هذا السياق، يسود قلق داخل المؤسسة العسكرية من صعوبة السيطرة على الظاهرة، في ظل إقرار مسؤولين بأن عدداً من الجنود الذين يعانون من ضائقة نفسية لا يلجؤون إلى العلاج. ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في شعبة القوى البشرية قوله إن الجيش “ظن في بداية الحرب أنه يسيطر على الوضع، لكنه انفجر في وجهه لاحقًا”.
ويربط بعض الضباط ارتفاع الحالات خلال الشهر الجاري بإحياء “ذكرى قتلى حروب إسرائيل”، غير أن مختصين في الصحة النفسية شككوا في هذا التفسير، مؤكدين أن السنوات السابقة لم تشهد نمطًا مماثلًا، وأن الضغوط المستمرة للقتال وتكرار استدعاء عدد محدود من الجنود تلعب دورًا أكبر في تفاقم الأزمة. حسب وكالات.
وخلال الشهر الجاري، سجلت حالات انتحار لجنود شاركوا في القتال، بينهم جندي احتياط في وحدة “شلداغ” الخاصة، وجندي في لواء “كفير”، وعنصر دائم في سلاح المدرعات، إضافة إلى مسعف قتالي في الاحتياط أنهى حياته بعد خروجه في إجازة.
تراجع دعم جيش الاحتلال للجنود
كما شملت الحالات جنودًا أنهوا حياتهم خارج الخدمة، من بينهم جندي عاد للخدمة بعد مشاركته في حرب 2014، وجندي في لواء “كرملي”، وجندي خدم لفترات طويلة في الاستخبارات الجوية، وسط شهادات من مقربين تحدثت عن معاناة نفسية حادة وعدم كفاية الدعم المقدم لهم.
وتشير المعطيات إلى أن الأرقام المعلنة لا تعكس الصورة الكاملة، إذ لا تشمل الجنود الذين انتحروا بعد تسريحهم، حيث أقر الجيش بنهاية 2025 بوجود 15 حالة من هذا النوع، فيما تحدثت الصحيفة عن أربع حالات إضافية منذ ذلك الحين، ثلاث منها خلال الشهر الأخير.
وفي ذات السياق، أشار ناشطون في مجال العلاج النفسي إلى تراجع الدعم الذي يقدمه جيش الاحتلال مقارنة بما يعلنه رسميًا، لافتين إلى إلغاء ما يُعرف بأيام “المعالجة النفسية” لجنود الاحتياط قبل إعادتهم إلى الحياة المدنية، قبل أن يُعاد العمل بها لاحقًا بشكل جزئي.
نقص القوى البشرية
كما كشف التقرير عن إعادة تجنيد مصابين نفسيًا خلال الحرب دون استكمال إجراءات تقييم حالتهم، إضافة إلى ضغوط مارسها قادة على جنود للالتحاق بالخدمة، وتهديد بعضهم بالاعتقال، في وقت تحدث فيه جنود عن منعهم من تلقي العلاج النفسي بسبب نقص القوى البشرية أو استمرار نظرة تقليدية تجاه الصحة النفسية داخل الجيش.
ورغم ذلك، تدعي دائرة الصحة النفسية في الجيش عدم وجود سمات مشتركة واضحة بين حالات الانتحار، مرجعة ارتفاع الأعداد إلى زيادة عدد المجندين، خصوصًا في صفوف الاحتياط.




