في قلب الدمار الذي خلفته الحرب على قطاع غزة، تنبثق حكايات إنسانية تُعيد تعريف معنى الصمود، حيث تتحول أبسط المساحات إلى منصات للحياة والأمل. وبين خيام النزوح التي تختزن الألم، تظهر مبادرات فردية تحاول ترميم ما كسرته الحرب، ليس فقط في الحجر، بل في النفس والوجدان.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة الفنانة الفلسطينية أحلام عبد العاطي، التي حوّلت خيمتها في خان يونس إلى معرض فني ومدرسة للرسم في آنٍ واحد، لتجعل من الفن وسيلة للتعبير عن المعاناة، وأداة للدعم النفسي للأطفال المتأثرين بالحرب، وتفتح هذه التجربة نافذة إنسانية تعكس قدرة الإنسان على تحويل المأساة إلى طاقة للحياة، ورسالة للعالم بأن الأمل يمكن أن يولد حتى في أقسى الظروف.
لوحات نجت من تحت الأنقاض
أحلام عبد العاطي، فنانة فلسطينية أعادت رسم الحياة في غزة من جديد داخل خيمتها في خان يونس جنوبي قطاع غزة، حيث حوّلتها إلى مساحة فنية نابضة بالحياة، تعرض فيها لوحات نجت من تحت أنقاض منزلها الذي دمرته الحرب، وتفتح من خلالها نافذة للتعبير عن معاناة الفلسطينيين وصمودهم.
واللوحات السريالية هي نمط فني يعتمد على التعبير التلقائي باستخدام الألوان، ويعكس الأفكار اللاشعورية، دون التقيد بالقواعد التقليدية للرسم. حسب بوابة اللاجئين الفلسطينيين.
تضم المجموعة الفنية التي تعرضها عبد العاطي أعمالًا سريالية نجت من الدمار، من بينها لوحة “شلال الزهور” التي ترمز للحياة والتعاون، وأخرى تجسد جناح طائر في لحظة غروب أو شروق في تعبير عن الأمل المتجدد، إلى جانب لوحة للصحفية الراحلة شيرين أبو عاقلة، في استحضار لرمزية الكلمة والصورة في مواجهة الحرب.
مساعدة الأطفال على تجاوز آثار الصدمة
وتروي الفنانة أن بعض هذه الأعمال رسمتها في سن الخامسة عشرة، وكانت آنذاك تعبيرًا عن واقع الاحتلال، لكنها اليوم تحمل دلالات أعمق بعد أن عاشت الحرب بكل تفاصيلها ومن بين اللوحات أيضًا عمل سريالي تداخلت فيه الألوان الحمراء والبرتقالية، في تصوير مباشر لمشاهد احتراق خيام النازحين، حيث تقول إنها استخدمت أصابعها في الرسم لعدم توفر الفرشاة، في محاولة لنقل الغضب والألم.
لم يقتصر دور الخيمة على عرض اللوحات، بل تحولت إلى مساحة لتعليم الأطفال الرسم، في محاولة لمساعدتهم على تجاوز آثار الصدمة وتوضح عبد العاطي: “قبل الحرب كنت أعمل في معارض فنية ولدي مرسم خاص مليء بالأدوات، لكن الحرب دمرت كل شيء. هذه اللوحات هي ما استطعت إنقاذه، ونستخدم هذه المساحة لتعليم الأطفال الذين دمرت حياتهم، كجزء من دعم نفسي لهم ولعائلاتهم”.
تفاصيل الحياة تحت الحرب
وتضيف أنها تحاول من خلال الفن خلق مساحة تساعدها على التكيف مع الواقع، رغم الصعوبات الكبيرة، خاصة ارتفاع أسعار الأدوات الفنية وشح الإمكانيات وتعكس لوحات عبد العاطي تفاصيل الحياة تحت الحرب، من مشاهد الخيام المشتعلة إلى الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين، مرورًا بلوحات تصور غرق النازحين داخل الخيام، حيث تختصر رسالتها بعبارة: “استيقظ أيها العالم.. نحن بشر ومن حقنا أن نعيش”.
وتأتي هذه المبادرات في ظل استمرار التدهور الإنساني في قطاع غزة، رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد عامين من الحرب، حيث لا يزال نحو 2.4 مليون فلسطيني يعيشون ظروفًا معيشية وصحية صعبة، بينهم 1.4 مليون نازح، في ظل قيود “إسرائيلية” على دخول المساعدات الأساسية.




