تشهد الأزمة المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي تصاعداً ملحوظاً في ظل استمرار التصرفات الأحادية من جانب أديس أبابا، والتي انعكست على دولتي المصب، مصر والسودان، بآثار مائية واقتصادية واجتماعية مباشرة. فقد أعلنت مصر مؤخراً عن فتح مفيض توشكي جنوب البلاد، في خطوة تهدف إلى مواجهة التصريفات غير المنضبطة من الجانب الإثيوبي، والتي تسببت في فيضانات متكررة شملت مساحات واسعة في السودان وبعض القرى المصرية، أبرزها قرية دلهمو في محافظة المنوفية. ويشير هذا الإجراء إلى أن القاهرة تلجأ إلى إدارة مواردها المائية بشكل استباقي لحماية السد العالي ومجاري النيل من أي تقلبات قد تهدد الأمن المائي والسكاني في البلاد، خصوصاً بعد إعلان إثيوبيا افتتاح سد النهضة رسمياً في سبتمبر الماضي دون اتفاق ملزم مع دولتي المصب.
خطورة النهج العشوائي في تشغيل سد النهضة
يؤكد الخبراء أن فتح مفيض توشكي جاء في توقيت حرج، إذ سجل منسوب بحيرة ناصر 182 متراً، ما استدعى ضرورة تصريف المياه الزائدة إلى منخفضات توشكي للحفاظ على السد العالي، الذي يصل ارتفاعه إلى 192 متراً فوق سطح البحر، كخط دفاع رئيسي لمصر ضد أي تقلبات مائية قد تنتج عن إدارة إثيوبيا للسد. ويشير الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إلى أن هذه الخطوة تعكس قدرة المنظومة المائية المصرية على العمل بكفاءة عالية، مع السيطرة الكاملة على مواردها ومجاريها، رغم الضغوط والتحديات الناجمة عن التصرفات الأحادية لإثيوبيا.
من جهة أخرى، أصدرت وزارة الري المصرية بياناً حذرت فيه من استمرار النهج العشوائي في تشغيل سد النهضة، مؤكدة أن إدارة منشأة بهذا الحجم على نهر دولي دون ضوابط فنية وعلمية يعرض مجرى النيل لتقلبات غير مأمونة التأثير. ويُعتبر هذا التحدي أحد أبرز أسباب التوتر المستمر بين مصر وإثيوبيا، إذ يضع دولتي المصب أمام مسؤوليات مضاعفة تتعلق بتشغيل سدودها وفق إجراءات تحفظية لاستيعاب التدفقات المفاجئة وضمان التشغيل الآمن. وفي هذا السياق، أعلنت السلطات في السودان عن فيضانات نتيجة التصريفات الإثيوبية، مع تحذير السكان على ضفاف النيل باتخاذ إجراءات حماية لممتلكاتهم وأرواحهم، فيما أقدمت أربع محافظات مصرية على إعلان حالة الطوارئ بعد ارتفاع منسوب المياه.
غياب اتفاق قانوني ملزم
تتجلى خطورة الوضع في أن هذه التصرفات الأحادية تمثل تهديداً مباشراً لحقوق ومصالح دولتي المصب وفق الاتفاقيات الدولية التي تحكم إدارة الأنهار العابرة للحدود. وقد تقدمت مصر بشكوى رسمية لمجلس الأمن الدولي، مطالبة بالضغط على إثيوبيا لضمان التزامها بالقوانين الدولية وإبرام اتفاق ملزم بشأن تشغيل السد، فيما ردت أديس أبابا بشكوى مضادة تتهم القاهرة بمحاولة زعزعة الاستقرار، وعرقلة التفاوض منذ إعلان المبادئ عام 2015. هذه التفاعلات تؤكد أن الأزمة لم تعد مسألة مياه فحسب، بل تحولت إلى قضية سيادة وأمن إقليمي ترتبط بموازين القوى والدبلوماسية الإقليمية والدولية.
على الجانب الفني، يعكس فتح مفيض توشكي قدرة مصر على إدارة الأزمات المائية داخلياً، من خلال رصد مستويات المياه في بحيرة ناصر وتشغيل السدود والمصارف المائية وفق خطط مدروسة، وهو ما يعزز من مصداقية وزارة الري في التعامل مع أي طوارئ، ويقلل من آثار التصرفات الإثيوبية على السكان والمزارع والمنشآت. ورغم ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه الخطوات على أنها حل جذري للأزمة، إذ يبقى جوهر المشكلة في غياب اتفاق قانوني ملزم يحدد حصة المياه وكيفية تشغيل السد بطريقة مشتركة تراعي مصالح جميع الأطراف.
من زاوية أخرى، يمكن ملاحظة أن التوتر بين مصر وإثيوبيا يزداد حدة بسبب الأبعاد السياسية المرتبطة بالأمن القومي، فإدارة سد بهذا الحجم لها آثار مباشرة على الكهرباء، والزراعة، والإمدادات المائية، ما يجعل أي تصرف أحادي تهديداً استراتيجياً. ويعتبر الإعلان الرسمي لإثيوبيا عن افتتاح السد في سبتمبر الماضي خطوة استفزازية، إذ جاء بدون اتفاق مسبق على المعايير الفنية لتشغيله، وهو ما دفع مصر للجوء إلى مجلس الأمن ووسائل الضغط الدبلوماسي الأخرى. في المقابل، يصر الجانب الإثيوبي على اعتبار أي تدخل مصري محاولة لتقييد سيادته، مما يضيف طبقة من التعقيد للعلاقات الثنائية.
مخاطر تهدد ملايين المواطنين
وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن أزمة سد النهضة لم تعد مجرد مسألة إدارة مياه، بل أصبحت اختباراً لقدرة مصر على حماية حقوقها ومصالحها المائية عبر الموازنة بين الدبلوماسية والجهود الفنية والهندسية. فالاعتماد على إجراءات مثل فتح مفيض توشكي يعكس استعداد الدولة للتعامل مع السيناريوهات الطارئة، لكنه في الوقت نفسه يؤكد هشاشة الوضع عند غياب التفاهم الإقليمي والدولي. كما أن هذا النهج الميداني قد يكون دافعاً لإثيوبيا لإعادة النظر في سياسات التشغيل، أو على الأقل لإظهار مستوى تأثير مصر في إدارة الموارد المائية.
الأمر لا يقتصر على مصر والسودان، بل يشمل المجتمع الدولي الذي يرى في أي نزاع حول النيل تهديداً لاستقرار الإقليم. وفي هذا السياق، تبقى الدعوات لإبرام اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل السد ضرورة عاجلة لتجنب التصعيد، سواء على المستوى الفني أو السياسي. فاستمرار التصرفات الأحادية دون ضوابط يرفع احتمال حدوث فيضانات جديدة، ويزيد من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، ويؤثر على ملايين المواطنين الذين يعتمدون على مياه النيل كمصدر رئيسي للحياة والزراعة والصناعة.
وفي الوقت نفسه، يعكس التعامل المصري مع الأزمة تحركاً مدروساً، إذ تم التركيز على الإجراءات الوقائية الداخلية قبل اللجوء إلى أي خيارات تصعيدية، مع استمرار المفاوضات الدبلوماسية مع الشركاء الدوليين والضغط عبر القنوات متعددة الأطراف. وهذا يشير إلى إدراك القاهرة أن التصعيد غير المنضبط قد يؤدي إلى توترات إقليمية أكبر، وأن الحل الأمثل يكمن في دمج الضغوط السياسية مع التخطيط الفني والهندسي المسبق لضمان أمن المياه.
اتفاق شامل يضع قواعد تشغيل السد
وعلى المدى الطويل، تؤكد التطورات الأخيرة أن أزمة سد النهضة ستظل ملفاً مفتوحاً ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل يضع قواعد تشغيل السد، ويضمن حصة عادلة لمصر والسودان، مع مراعاة الأبعاد الفنية والهندسية والبيئية. وفي ظل غياب هذا الاتفاق، ستظل مصر مضطرة إلى استخدام حلول ميدانية مثل فتح مفيض توشكي لضمان حماية السد العالي والمصالح الوطنية، مع استمرار متابعة كل المستجدات عبر الأقمار الصناعية والمراقبة الهيدرولوجية الدقيقة.
الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لمستوى التنسيق الداخلي والإقليمي والدولي في إدارة المياه العابرة للحدود. فمصر، عبر خطواتها الوقائية والتحضيرية، تظهر أنها تمتلك القدرة على التعامل مع التدفقات المائية غير المنضبطة، لكنها تواجه تحدياً أكبر يتمثل في إرادة إثيوبيا والتزامها بالمعايير الدولية، وهو ما يجعل الحل الدائم للأزمة مرتبطاً بتحقيق اتفاق قانوني ملزم يشمل جميع الأطراف ويضمن استقرار الموارد المائية في حوض النيل.






