في خضم موجة من الغضب الشعبي والانتقادات السياسية، نفت وزارة الخارجية العراقية صحة قوائم السفراء الجدد التي تم تداولها مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنها «غير دقيقة وغير صحيحة».
القوائم المتداولة، التي نُشرت على نطاق واسع، أثارت عاصفة من الجدل بعدما أظهرت تضمينها لأسماء العديد من أقارب مسؤولين كبار وشخصيات حزبية نافذة، ما جرى اعتباره دليلاً جديداً على تفشي المحسوبية والمحاصصة داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة الدبلوماسية التي تعد واجهة العراق أمام العالم.
القوائم «المفبركة» تثير أزمة.. والخارجية ترد
في بيان رسمي، قالت وزارة الخارجية إن «الأوساط الإعلامية والاجتماعية تداولت مؤخراً مجموعة من القوائم تضم أسماء مرشحين لدرجة سفير، ورافقتها معلومات وتسريبات وتعليقات، بعضها مفبرك وغير حقيقي».
وأوضحت الوزارة أن «بعض هذه المعلومات زُجّ بها في حُمّى التنافس السياسي والمصالح الشخصية، خاصة من قبل من لم يجتازوا معايير الترشيح التي وضعتها لجنة متخصصة عملت لأكثر من عامين». وأضافت أن الغرض من التسريبات هو «خلط الأوراق والإساءة إلى كوادر الوزارة الوطنية».
وأكد البيان أن القائمة الحقيقية تضم 50% من دبلوماسيي الوزارة الحاليين، بالإضافة إلى كفاءات وطنية وأكاديمية، مقارنة بقائمة عام 2009 التي احتوت على 90% من خارج الوزارة.
تغريدة زيباري تشعل الجدل: «فضيحة دبلوماسية»
الرد القوي من الخارجية جاء على خلفية تصريحات وتغريدات من شخصيات بارزة، أبرزها وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري، الذي وصف القوائم المتداولة بأنها «كارثية على السلك الدبلوماسي» و«فضيحة دبلوماسية»، متهماً إياها بمخالفة قانون الخدمة الخارجية الذي ينص على تعيين أغلبية السفراء من داخل السلك الدبلوماسي.
زيباري قال إن البرلمان حاول سابقاً تعديل النسبة لتصبح 50% من داخل الوزارة و50% من خارجها، لكن القائمة الجديدة – وفق زيباري – لا تحترم حتى هذه النسبة، ما يهدد بتهشيم مصداقية الدبلوماسية العراقية.
اختلال في التوازن… وتحديات دبلوماسية
وزارة الخارجية أقرّت ضمنياً بوجود نقص كبير في عدد السفراء الحاليين، مشيرة إلى أن عددهم لا يتجاوز 27 سفيراً، بينهم 11 بلغوا السن القانونية للتقاعد، مع توقع إحالة 5 آخرين للتقاعد خلال عام 2026.
وأوضحت أن هناك 94 بعثة دبلوماسية في الخارج بحاجة ماسة لسفراء، إلى جانب 4 مناصب وكيل وزارة و18 دائرة داخلية تحتاج إلى شاغلي درجة سفير، ما يمثل تحدياً واضحاً لفاعلية التمثيل الدبلوماسي العراقي في الخارج.
الوزارة حاولت طمأنة الرأي العام بتقديم إحصاءات عن خلفيات المرشحين، حيث أشارت إلى أن 62% منهم يحملون شهادات عليا، و23% من ذوي الشهداء والمفصولين السياسيين، و19% من منظمات المجتمع المدني، و17% من الأكاديميين.
البرلمان يتحرك: تعديل قانون الخدمة الخارجية
رغم التبريرات التي قدمتها وزارة الخارجية، فإن موجة الانتقادات لم تهدأ، ما دفع البرلمان العراقي إلى التحرك لتعديل «قانون الخدمة الخارجية»، في محاولة لوقف التعيينات السياسية خارج الأطر المهنية.
النائب علي الساعدي صرّح بأن مقترح التعديل، الذي يحظى بدعم أكثر من 100 نائب، يهدف إلى إلغاء المادة 9 (ثالثاً) التي تسمح بترشيح السفراء من خارج السلك الدبلوماسي، بما يعيد الاعتبار للدبلوماسيين المهنيين ويضع حداً لـ«التحاصص السياسي».
وبحسب مصادر برلمانية، فإن رئاسة البرلمان وافقت على عدم طرح قائمة السفراء للتصويت حتى يتم فحص الأسماء بشكل دقيق، ما يمثل خطوة استجابة للرأي الشعبي الرافض للتسييس في هذه المؤسسة الحيوية.
هل تعيد هذه الأزمة هيكلة السلك الدبلوماسي؟
يتفق كثير من المراقبين على أن الجدل الحالي هو امتداد لأزمة أعمق تعاني منها الدولة العراقية، حيث تتداخل السياسة بالمؤسسات بشكل أضرّ بالكفاءات، وأضعف ثقة الشارع.
ورغم أن الخارجية تؤكد أن عملية اختيار السفراء خضعت لمعايير صارمة، فإن التركة الثقيلة من المحاصصة لا تزال تلقي بظلالها على كل إعلان حكومي، ما يتطلب – وفق محللين – إصلاحاً مؤسسياً جذرياً يضمن استقلالية القرار الإداري عن المصالح الحزبية والشخصية.
فهل يكون تعديل قانون الخدمة الخارجية بداية الطريق؟ أم أن الأزمة ستتكرر مع كل دفعة جديدة من التعيينات؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.






