أعاد الهجوم المسلح الذي وقع الخميس عند معبر الكرامة (جسر الملك حسين – معبر أللنبي) وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين واستشهاد المنفّذ، ملف الأمن على الحدود الأردنية–الإسرائيلية إلى صدارة المشهد. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يتأخر في تحميل السلطات الأردنية المسؤولية عن العملية، معلناً في جلسة الكابينيت عن تعليمات جديدة تقضي بتشديد تفتيش الشاحنات القادمة من الأردن إلى غزة، وإخضاع السائقين لفحوصات أمنية إضافية باستخدام مجسّات ومقاييس مغناطيسية.
الأردن بين الاتهام الإسرائيلي وحساسية العلاقة
اتهام نتنياهو الصريح لعمان يضع العلاقات الأردنية–الإسرائيلية أمام منعطف دقيق. فالمملكة، التي تمثل بوابة حيوية لدخول المساعدات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، تجد نفسها الآن متهمة بالتقصير الأمني في ظرف سياسي إقليمي محتدم. وفي حين لم تُصدر السلطات الأردنية تعليقاً فورياً على اتهامات نتنياهو، فإن سياق العلاقة بين الطرفين يشير إلى تراكم ملفات خلافية تتراوح بين إدارة المسجد الأقصى، والتنسيق الأمني، والضغوط الداخلية في الأردن الرافضة للتطبيع.
تبعات إنسانية مباشرة على غزة
القرار الإسرائيلي بوقف مرور قوافل المساعدات القادمة من الأردن إلى غزة حتى انتهاء التحقيق، وفق أوامر رئيس الأركان إيال زامير، يهدد بزيادة الأعباء الإنسانية في القطاع المحاصر. فالأردن يُعدّ مساراً رئيسياً لنقل الإمدادات، سواء عبر الصليب الأحمر أو عبر القوافل الدولية، وبالتالي فإن أي تعطيل في هذا المعبر يزيد الضغط على سكان غزة، ويعقّد جهود الإغاثة في ظل الحرب المستمرة.
انقسام داخل الكابينيت وتسريبات محرجة
لم تقف الأزمة عند حدود الأردن فقط؛ إذ شهد اجتماع الكابينيت سجالاً داخلياً بعدما اتهم نتنياهو وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بتسريب تفاصيل حساسة من النقاشات حول السماح للصليب الأحمر بزيارة الأسرى الفلسطينيين. ردّ بن غفير كان مباشراً، إذ اتهم بدوره مكتب نتنياهو والجيش الإسرائيلي بالتسريب للإعلام. هذه الاتهامات المتبادلة تكشف عن هشاشة الانسجام داخل الحكومة، وتطرح تساؤلات حول قدرة القيادة الإسرائيلية على إدارة الأزمات الخارجية فيما هي غارقة بخلافات داخلية.
قراءة أوسع: الأمن على حساب السياسة
إغلاق معبر الكرامة أمام حركة المسافرين من وإلى الضفة الغربية، بحجة التحقيق الأمني، لا يعكس فقط استجابة إسرائيلية لحادثة مفاجئة، بل يندرج في سياق أوسع من تشديد السيطرة على الممرات الحيوية للضفة وغزة. وإذا كانت إسرائيل تسعى من خلال تحميل الأردن المسؤولية إلى دفعه لمزيد من التنسيق الأمني، فإن عمان تدرك أن أي تجاوب كامل قد يضعها في مواجهة الرأي العام الداخلي. وفي المحصلة، يظهر أن العملية الأخيرة لم تفتح فقط جبهة خلاف جديدة بين الأردن وإسرائيل، بل سلطت الضوء على هشاشة المعادلة الإنسانية والسياسية في المنطقة: معبر واحد قادر على كشف مدى تداخل الأمن بالسياسة، وحدود قدرة الأطراف على الحفاظ على توازن دقيق بين الشراكة الإقليمية ومتطلبات الداخل.






