تعيش غزة منذ أيام على وقع تصعيد إسرائيلي غير مسبوق يترجم بعمليات قصف كثيفة على مدينة غزة ومحيطها، أسفرت الجمعة وحدها عن استشهاد خمسين شخصاً وفق ما أعلن جهاز الدفاع المدني في القطاع، بينهم خمسة وثلاثون في المدينة. صور الأبراج المدمرة وأشلاء الأطفال والنساء التي جرى انتشالها من تحت الركام أعادت التذكير بقسوة الحرب المستمرة منذ ما يقارب العامين، والتي لم تترك زاوية في القطاع إلا وطبعت عليها بصمات الدمار والمأساة الإنسانية.
نزوح جماعي جديد
إسرائيل بررت هجماتها بأنها تستهدف ما تصفه بالبنى التحتية العسكرية لحركة حماس، مؤكدة أنها ستمضي في «تكثيف وتيرة الغارات» ضمن خطة تهدف إلى إضعاف الحركة وتقليص تهديدها على القوات الإسرائيلية. غير أن الشهادات الميدانية من داخل غزة تكشف وجهاً آخر: مبانٍ سكنية تُسوّى بالأرض فوق ساكنيها، وجنازات متواصلة في مستشفى الشفاء، وصور لأطفال ونساء يلفّون بأكياس بيضاء، وهو ما يعزز سردية الفلسطينيين بأن ما يجري يستهدف المدنيين في المقام الأول، وليس فقط مقاتلي الفصائل.
المجتمع الدولي لم يقف صامتاً. ألمانيا وفرنسا وبريطانيا دعت في بيان مشترك إلى وقف فوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة، محذرة من نزوح جماعي جديد وتدمير للبنى التحتية الحيوية. الأمم المتحدة بدورها كررت تحذيراتها من «كارثة» وشيكة إذا واصلت إسرائيل خطتها للسيطرة على مدينة غزة، حيث لا يزال يعيش نحو مليون شخص وسط حصار خانق وانعدام مقومات الحياة الأساسية. منظمات الإغاثة وصفت مساعي إسرائيل لدفع السكان جنوباً بأنها «تهجير قسري مقنّع»، بينما أشارت إسرائيل إلى أنها توسع «معبر 147» لتسهيل إدخال المساعدات الإنسانية إلى ما تسميه المنطقة الآمنة.
استبعاد حماس
المفارقة أن هذا التصعيد العسكري يتزامن مع اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة «إعلان نيويورك» بأغلبية كبيرة، في خطوة تستهدف إعادة إحياء مسار حل الدولتين. الإعلان استبعد «حماس» بشكل واضح من أي دور في المستقبل الفلسطيني، وهو ما أثار غضب إسرائيل التي وصفت القرار بـ«المخزي» معتبرة أنه يشجع على استمرار الحرب. في المقابل، رأت القيادة الفلسطينية أن القرار يمثل انتصاراً للإرادة الدولية ودعماً صريحاً لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
لكن بينما يتحدث العالم عن مسارات دبلوماسية، تكشف الوقائع الميدانية في غزة عن فجوة واسعة بين النصوص والحقائق. الحرب التي بدأت إثر هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1200 إسرائيلي وخطف 251 رهينة، تحولت إلى حملة عسكرية إسرائيلية واسعة أوقعت، بحسب وزارة الصحة في غزة، أكثر من 64 ألف قتيل حتى الآن، غالبيتهم من النساء والأطفال. ورغم أن إسرائيل تقول إنها تستهدف «الإرهاب»، إلا أن الأثمان الإنسانية والدمار الهائل يثيران أسئلة جدية حول الهدف الاستراتيجي الفعلي من العمليات، خصوصاً مع تعثر المفاوضات بشأن الأسرى والرهائن.
تسوية سياسية
داخلياً، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتقادات متزايدة من عائلات الرهائن التي تتهمه بالمقامرة بأرواح أبنائهم والجنود الإسرائيليين «من دون أي هدف واضح». أما حماس، التي أعلنت أن كبير مفاوضيها خليل الحية نجا من هجوم استهدف اجتماعاً للحركة في الدوحة، فتؤكد أنها ما زالت قادرة على الصمود، ما يعني أن الحرب مرشحة لمزيد من الاستمرار والتعقيد.
يختصر مشهد غزة الممزقة بين الدمار والجوع والموت معضلة النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي في أكثر صورها قسوة. المجتمع الدولي يدعو إلى تسوية سياسية ويحتفل بقرارات الجمعية العامة، بينما الميدان يشهد تصعيداً دموياً يهدد بإفشال أي أفق للحل. وبينما يعيش الفلسطينيون تحت وطأة حرب مفتوحة، يظل السؤال معلقاً حول قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من دائرة العنف المستمر إلى مسار سياسي واقعي يوقف المأساة المستمرة منذ عقود.






