سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، لم تهدأ نيرانها ولم تلوح في الأفق ملامح تسوية قريبة، فالمعارك تتواصل بوتيرة متقطعة بين الكرملين والقوات الأوكرانية، بينما تعيش أوروبا حالة استنفاراستراتيجي غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة.
تتحول كييف شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه “الجبهة المتقدمة” للغرب في مواجهة موسكو، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت أوكرانيا تدفع ثمن الدفاع عن القارة الأوروبية بأكملها.
وفي ظل استمرار القتال، بدأت تظهر تصدعات واضحة في الموقف الغربي، خصوصًا بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية التي باتت تراجع حساباتها تجاه الدعم المفتوح لكييف.
تباين المواقف بين واشنطن وأوروبا
الولايات المتحدة، رغم كونها الداعم الأكبر لأوكرانيا، بدأت تُظهر علامات فتور سياسي في ظل الجدل الداخلي حول كلفة الحرب، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية.
أما أوروبا، فقد وجدت نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها التفكير بجدية في مستقبل أمنها القاري، بعيدًا عن المظلة الأميركية التي اعتادت الاتكال عليها منذ عقود.
ويرى مراقبون أن تباين المواقف بين الجانبين لا يعني تفكك التحالف الغربي، لكنه يعكس بداية تحول استراتيجي أعمق في فهم كل طرف لطبيعة التهديد الروسي وكيفية مواجهته.
في هذا السياق، برزت تصريحات الخبير الأمني وعضو مجلس الأمن القومي للحزب الحاكم الألماني، مصطفى العمار، الذي أكد أن أوروبا مطالبة اليوم بالتعامل بذكاء مع تحولات النظام الدولي، وبالإنفاق الجاد على الدفاع.
وقال العمار في تصريحات صحفية، إن ألمانيا، باعتبارها القوة الاقتصادية الكبرى في القارة، يجب أن تمتلك استراتيجيتها الدفاعية الخاصة دون ارتهان كامل للولايات المتحدة.
ووفقا ل”سكاي نيوز”، فأشار إلى أن “الشراكات الدفاعية بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا تصب في مصلحة الناتو ذاته، لأنها تمنح أوروبا قدرة ذاتية على الردع وتقلل من الاعتماد على القرار الأميركي.
مظلة واشنطن وحدود السيطرة
تطرق العمار إلى أن وجود قواعد أميركية على الأراضي الألمانية، خاصة تلك التي تضم صواريخ B61 النووية، يعكس هشاشة الاستقلال العسكري الأوروبي.
وأوضح أن ألمانيا لا تملك صلاحية استخدام تلك الأسلحة دون إذن مباشر من واشنطن، وهو ما يجعلها في موقع التابع لا الشريك المتكافئ.
واعتبر أن امتلاك قدرات نووية أوروبية مشتركة مع بريطانيا وفرنسا يمكن أن يغير معادلة القوة داخل الناتو ويمنح القارة استقلالية أكبر في القرار الدفاعي.
القوة النووية الأوروبية.. رافد لا بديل
رغم الجدل الدائر، شدد العمار على أن التقارب النووي الأوروبي لن يكون بديلاً عن الناتو، بل “رافدًا” له يعزز قدرته على الردع.
وقال إن امتلاك أوروبا رؤوسًا نووية بريطانية وفرنسية إلى جانب بنيتها الدفاعية سيخلق توازنًا جديدًا داخل الحلف، خاصة إذا قررت واشنطن تقليص التزاماتها العسكرية الخارجية.
وأضاف أن أوروبا بحاجة إلى “استقلال محسوب” يحافظ على وحدة الغرب، لكنه يمنحها حرية الحركة في حال تغير المزاج السياسي الأميركي مستقبلاً.
البديل الأوروبي قيد التشكيل
العمار شدد على أن أوروبا مطالبة ببناء بديل استراتيجي في حال انسحاب الولايات المتحدة من التزاماتها الدفاعية، مؤكداً أن تصريحات ترامب الأخيرة أطلقت ناقوس خطر في العواصم الأوروبية.
وأوضح أن ترامب يرسل رسالة واضحة مفادها أن واشنطن تريد “شركاء أقوياء، لا تابعين ضعفاء”، وهو ما يعكس تغيراً عميقاً في نظرة أميركا لدورها الدولي، وأشار إلى أن أوروبا يجب أن تلعب بذكاء في ترتيب أوراقها الدفاعية، حتى لا تستغل روسيا أو غيرها أي ثغرات أمنية في المستقبل.
يرى العمار أن “السلام لا يمكن تحقيقه بالحوار فقط، بل عبر تعزيز الدفاعات والقدرات العسكرية”، في إشارة إلى أن الردع هو الطريق الحقيقي لحماية الأمن الأوروبي.
وأضاف أن الإنفاق العسكري في القارة لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في مواجهة التهديد الروسي الذي لم يعد مقتصرًا على أوكرانيا.
ولفت إلى أن ألمانيا بدأت تدرك أهمية التحول من “قوة اقتصادية فقط” إلى “قوة دفاعية قادرة على الفعل”، وهو ما يعكسه تخصيص برلين موازنات ضخمة للجيش والبحث العسكري.
كييف.. جبهة أوروبا الأمامية
بحسب العمار، فإن أوروبا “لم تختر الحرب، بل روسيا هي من بدأت العدوان عام 2022 وتصر على استمراره”، معتبرًا أن أوكرانيا تدافع اليوم عن أمن القارة بأكملها.
وأكد أن سقوط كييف لن يكون مجرد هزيمة لدولة، بل بداية لانهيار منظومة الردع الغربية، لأن روسيا “لن تتوقف عند حدود أوكرانيا”.
وحذر من أن التمدد الروسي قد يصل إلى البلقان ودول أخرى في حال ضعف الجبهة الأوكرانية، ما يجعل كييف بالفعل “خط الدفاع الأول” عن أوروبا.
ذاكرة التاريخ والقلق من الماضي
واستعاد العمار خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في البرلمان الألماني عام 2001، حين تحدث عن رغبته في علاقة صداقة أوروبية روسية، لكن هذه الصورة الودية لم تدم طويلاً، فمع توسع الناتو شرقاً عام 2007 شعر الكرملين بالتهديد، ما مهّد تدريجياً لعودة التوترات التي انفجرت في 2014 ثم تصاعدت في 2022.
ويرى العمار أن غياب الحوار الأوروبي الجاد مع موسكو منذ ذلك الوقت فتح الباب أمام التصعيد، وخلق بيئة خصبة للحروب اللاحقة.
أوروبا تبحث عن بوصلة جديدة
اختتم العمار تحليله بالتأكيد على أن أوروبا تحتاج إلى “سياسة أمنية جديدة وبوصلة مستقلة عن التغيرات السياسية والانتخابية في الولايات المتحدة”، وقال إن تصريحات زعيم المعارضة الألمانية فريدرش ميرتس حين دعا إلى “التوقف عن الحنين الزائف” تعبّر عن وعي متزايد بضرورة بناء مشروع أوروبي حقيقي للأمن الجماعي.
وأضاف أن أوروبا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تبقى تابعة للمظلة الأميركية، أو أن تنضج كقوة عسكرية وسياسية تملك قرارها المستقل.
الردع بالإنفاق.. والتحول في الذهنية الأوروبية
تشير التقارير الأخيرة إلى أن معظم دول الاتحاد الأوروبي رفعت ميزانياتها الدفاعية إلى مستويات غير مسبوقة، استجابة للتهديد الروسي المباشر.
وباتت برلين وباريس ولندن تتحدث بلغة جديدة حول “الاستعداد للحرب” بدل “إدارة السلام”، ما يعكس التحول العميق في الذهنية الأوروبية بعد الغزو الروسي.
هذا الإنفاق العسكري لا يُنظر إليه كتصعيد، بل كضمانة لعدم تكرار سيناريوهات التاريخ التي شهدت تمدد موسكو في الفراغات الأمنية.
الناتو بين الشك والضرورة
ورغم الخطاب الأوروبي حول الاستقلالية، فإن حلف الناتو يظل الركيزة الأساسية للأمن في القارة، فالحرب في أوكرانيا أعادت إحياء الحلف من جديد، بعد أن وصفه الرئيس الفرنسي ماكرون قبل سنوات بأنه “ميت سريريًا”.
واليوم، عاد الناتو إلى قلب المشهد، لكن بأجندة جديدة تضع روسيا في مقدمة التهديدات وتُبقي الباب مفتوحًا أمام انضمام دول جديدة مثل السويد وفنلندا.
أوكرانيا.. الثمن الأغلى
ووسط كل هذه الحسابات، تبقى أوكرانيا هي الخاسر الأكبر، فقد تحولت أراضيها إلى ساحة اختبار لكل السياسات الغربية، فبينما تناقش أوروبا استراتيجيات الردع والإنفاق، يعيش الأوكرانيون يومياً ويلات القصف والنزوح والتدمير.
لكن في المقابل، يرى بعض الأوروبيين أن صمود كييف هو الذي حال دون تمدد روسيا نحو الغرب، وجعلها “درعًا بشرية” تدافع عن القارة دون أن تكون عضواً في الناتو.
أوروبا أمام تحدي الاستقلال الاستراتيجي
واستكمالا لما يحدث، عقب الدكتور يوهان كراوس، خبير الاستراتيجيات الأوروبية في معهد برلين للدراسات الأمنية، قائلا: إن الحرب في أوكرانيا كشفت بوضوح هشاشة الموقف الأوروبي عندما يتعلق الأمر بالأمن الجماعي، مؤكداً أن القارة ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأميركية سواء في التسليح أو المعلومات الاستخباراتية أو حتى القيادة الميدانية.
ويشير إلى أن أوروبا “تملك القدرات الاقتصادية والعلمية لبناء منظومة دفاع ذاتي قوية، لكنها تفتقر حتى الآن إلى الإرادة السياسية الموحدة”. ويرى أن غياب هذه الإرادة يجعل من المستحيل صياغة استراتيجية أوروبية شاملة تواجه التحديات الروسية من دون الرجوع إلى واشنطن.
التحول من اقتصاد السلام إلى اقتصاد الحرب
يوضح كراوس أن ما تشهده القارة الآن هو تحول جذري في فلسفة الأمن الأوروبي، فبعد عقود من الاستثمار في الرفاهية والبيئة والرقمنة، باتت الأولوية اليوم للتسلح والدفاع.
ويضيف أن “اقتصاد السلام الأوروبي” الذي كان يتفاخر بتقليص النفقات العسكرية، تحول إلى “اقتصاد حرب” يسعى إلى إعادة بناء الجيوش والمصانع الدفاعية، مشيراً إلى أن هذا التحول سيعيد تشكيل هوية الاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة.
ويرى أن هذا التحول لا يعني بالضرورة عسكرة أوروبا، لكنه يعني نهاية مرحلة كان فيها الأمن يُدار بالتصريحات والدبلوماسية فقط.
ويعتبر كراوس أن أوكرانيا أصبحت بالفعل خط الدفاع الأول عن أوروبا، وأن صمودها يمثل خطاً فاصلاً بين “نظام أوروبي ديمقراطي” و“نظام روسي توسعي”.
ويضيف أن “كل طلقة تطلقها القوات الأوكرانية هي دفاع غير مباشر عن عواصم أوروبية كبرلين ووارسو وستوكهولم”، مشيراً إلى أن القارة تدرك الآن أن خسارة أوكرانيا لن تعني سقوط دولة، بل سقوط منظومة القيم الأوروبية بأكملها، ويؤكد أن أوروبا أمام خيارين: إما دعم كييف حتى النهاية، أو مواجهة روسيا لاحقاً على أبوابها.
وفي ختام تحليله، يشدد كراوس على أن الحديث عن “استقلال أوروبا الأمني” سيبقى مجرد شعار ما لم يتحقق الانسجام السياسي الداخلي داخل الاتحاد، ويقول: “لا يمكن لأوروبا أن تواجه موسكو بينما هي منقسمة بين الشرق والغرب، أو بين من يريد التفاوض ومن يريد التصعيد”.
ويرى أن الحل يكمن في تأسيس مجلس دفاع أوروبي موحد تكون له صلاحيات فعلية، لا مجرد هيئة رمزية، ليصبح الاتحاد لاعباً لا تابعاً.






