شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، فجر اليوم الأحد، انفجارات عنيفة أعقبت قصفاً إسرائيلياً استهدف محطة كهرباء حزيز الواقعة جنوبي المدينة، في تطور يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي، حيث طالت الضربات للمرة الأولى منشأة خدمية حيوية، ما أثار قلقاً واسعاً من تداعيات إنسانية إضافية على ملايين السكان.
استهداف «غير مسبوق» للبنية التحتية
الجيش الإسرائيلي أعلن في بيان أن طائراته قصفت «موقعاً للبنية التحتية الخاصة بالطاقة في عمق اليمن»، مؤكداً أن الضربات جاءت على بُعد نحو 2000 كيلومتر من إسرائيل، وفي عمق 150 كيلومتراً داخل الأراضي اليمنية.
واعتبر أن هذا القصف «رسالة واضحة للحوثيين» بعد سلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مدناً إسرائيلية مثل حيفا وإيلات وبئر السبع.
الحوثيون: الرد قادم
من جانبها، أقرت جماعة الحوثي بتعرض محطة الكهرباء للقصف، مشيرة إلى أن الهجوم أدى إلى انقطاع مؤقت للتيار الكهربائي عن أجزاء من صنعاء.
واتهمت إسرائيل بمحاولة «تركيع المدنيين» من خلال استهداف المرافق الحيوية، متوعدة بالرد عبر «عمليات نوعية» ضد أهداف إسرائيلية «في العمق».
وكانت الجماعة قد أعلنت الأسبوع الماضي عن تنفيذ أربع هجمات متزامنة استهدفت مواقع إسرائيلية عبر ست طائرات مسيّرة.
تداعيات إنسانية على صنعاء
المصادر المحلية تحدثت عن مشاهد صادمة، حيث ارتفعت ألسنة اللهب وأعمدة الدخان الكثيف من المحطة المستهدفة، بينما هرعت فرق الإنقاذ لإخماد النيران.
وزاد الانقطاع المفاجئ للكهرباء من معاناة السكان في العاصمة التي تعيش أوضاعاً إنسانية متردية بفعل الحرب المستمرة منذ نحو عقد.
وحذر خبراء من أن استهداف محطات الطاقة قد يدفع صنعاء إلى «كارثة خدمية»، حيث يعتمد ملايين اليمنيين على مولدات ومصادر بديلة مكلفة في ظل ارتفاع أسعار الوقود.
تصعيد بعد «هدوء حذر»
القصف الأخير يأتي بعد شهور من هدوء نسبي شهدته العاصمة، في أعقاب موجة غارات أميركية وإسرائيلية طالت مواقع للحوثيين رداً على هجماتهم ضد السفن التجارية في البحر الأحمر وضد إسرائيل.
غير أن عودة الاستهداف الإسرائيلي لمنشآت حيوية داخل صنعاء قد تشير – بحسب مراقبين – إلى انتقال المواجهة من ضرب مواقع عسكرية إلى الضغط على الجماعة عبر استهداف مصادر الطاقة والخدمات.
رسائل متبادلة عبر «الميدان»
يقرأ محللون القصف الإسرائيلي على أنه محاولة لتغيير «قواعد الاشتباك» مع الحوثيين، وإيصال رسالة مفادها أن الرد لن يقتصر بعد الآن على المواقع العسكرية أو المخازن، بل قد يمتد إلى أي بنية تدعم بقاء الجماعة في السلطة.
في المقابل، يعتبر الحوثيون استهداف محطة الكهرباء فرصة لتعزيز خطابهم «المظلومي» داخلياً وخارجياً، ما قد يكسبهم دعماً إضافياً من حلفائهم الإقليميين.
ويتقاطع القصف مع مفاوضات حساسة بين الرياض وطهران من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، بشأن التهدئة في البحر الأحمر وخفض التوتر الإقليمي.
وقد يعقد استهداف منشأة مدنية في صنعاء، جهود الوساطة، ويمنح إيران ذريعة لتشديد دعمها العسكري للجماعة، في وقت تسعى فيه واشنطن لإبقاء الملف اليمني تحت السيطرة.
المخاوف الدولية من استهداف المدنيين
منظمات حقوقية أعربت عن قلقها من تداعيات هذا الهجوم، مؤكدة أن ضرب منشآت خدمية يرقى إلى «عقاب جماعي» للمدنيين.
ودعت الأمم المتحدة جميع الأطراف إلى «الامتناع عن استهداف المرافق الحيوية»، محذرة من أن أي تصعيد إضافي قد يهدد بعودة شبح المجاعة في مناطق عدة من اليمن.
رغم حدة الضربة، يستبعد محللون أن تسعى تل أبيب إلى الانخراط عسكرياً في اليمن بشكل أوسع، مشيرين إلى أن الهدف الأساسي هو تعزيز «الردع الاستراتيجي» ومنع الحوثيين من تكريس هجماتهم على العمق الإسرائيلي. إلا أن هذه الاستراتيجية قد تكون محفوفة بالمخاطر، إذ أن الحوثيين قد يوسعون نطاق عملياتهم ليشمل مصالح غربية في المنطقة.
اليمنيون بين مطرقة الحرب وسندان الأزمات
بالنسبة لسكان صنعاء، فإن القصف الأخير يضيف طبقة جديدة من المعاناة، حيث يعيشون بين انقطاع الخدمات الأساسية، وأزمات إنسانية خانقة، وضغوط اقتصادية متواصلة.
ويخشى المواطنون أن تتحول مدينتهم إلى «ساحة مفتوحة» لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية، ما يعقد أي آمال قريبة في السلام.






