شنت الطائرات الإسرائيلية مساء الإثنين سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية في ريفي حمص واللاذقية، في استمرار لنهج التصعيد الذي بات السمة الأبرز لتحركات الاحتلال داخل الأراضي السورية. وأفاد مراسل تلفزيون سوريا بأن دوي ثلاثة انفجارات سُمع في محيط منطقة الأوراس بريف حمص، بالتزامن مع غارة أخرى على قاعدة عسكرية في منطقة سقوبين بمحافظة اللاذقية، وسط غياب معلومات دقيقة عن حجم الخسائر البشرية والمادية حتى الآن.
يأتي هذا التطور في وقت يتحدث فيه الإعلام العبري عن لقاء مرتقب بين وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ما يثير تساؤلات حول توقيت الهجمات ودلالاتها السياسية، خصوصًا أنها تتزامن مع حراك دبلوماسي غير مسبوق بين تل أبيب ودمشق منذ سقوط نظام الأسد.
الهجمات الأخيرة ليست الأولى من نوعها، إذ سبقها في أواخر الشهر الماضي قصف إسرائيلي استهدف مواقع عسكرية في منطقة الكسوة بريف دمشق الغربي، أعقبه إنزال جوي شاركت فيه أربع مروحيات وعشرات الجنود، في عملية اعتُبرت تصعيدًا نوعيًا يعكس انتقال الاحتلال من استراتيجية الغارات الجوية إلى الانخراط الميداني المباشر. وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أسفرت تلك العملية عن مقتل ستة جنود وتدمير آليات عسكرية خلال تعامل الجيش السوري مع أجهزة مراقبة وتنصت عُثر عليها في جبل المانع جنوب دمشق.
المتابعون للشأن السوري يرون أن هذه الاعتداءات تأتي ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى استنزاف القدرات العسكرية السورية، ومنع إعادة بناء البنية التحتية الدفاعية بعد انهيار نظام الأسد. فخلال السنوات الأخيرة، كثّفت إسرائيل عملياتها الجوية ضد مواقع الجيش السوري، بالتوازي مع تدخلات ميدانية شملت التوغل في أرياف دمشق والقنيطرة ودرعا، والسيطرة على المنطقة العازلة المحاذية للجولان المحتل. هذه التحركات ترافقها ممارسات أخرى كالاستطلاع المستمر بالطائرات المسيّرة، واعتقال مدنيين سوريين يعملون في الزراعة والرعي قرب خطوط الفصل.
وفي هذا السياق، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في وقت سابق بأن قوات الاحتلال ستبقى متمركزة في قمة جبل الشيخ وفي المنطقة العازلة التي تقدمت إليها بعد سقوط الأسد، بذريعة حماية المستوطنات في الجليل والجولان. هذا الإعلان يكشف بوضوح نية إسرائيل تثبيت وجود عسكري دائم على الأراضي السورية، بما يتجاوز منطق “الهجمات الوقائية” إلى مرحلة ترسيخ واقع ميداني جديد يخدم مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
السؤال المطروح اليوم هو: إلى أي مدى يمكن أن يتطور هذا النمط من الاعتداءات؟ وهل سيظل في إطار الغارات المتقطعة والإنزالات المحدودة، أم أن إسرائيل تتجه نحو فرض معادلة ميدانية جديدة تجعل من تدخلها المباشر في سوريا أمرًا دائمًا؟ في ظل غياب أي ردع دولي حقيقي، ومع انشغال القوى الكبرى بملفات أخرى، يبدو أن سوريا مرشحة لمزيد من التصعيد الإسرائيلي، ما يهدد بفتح جبهة مواجهة مفتوحة على نحو غير مسبوق منذ سقوط النظام السابق.






