من دون التوصل إلى صفقة تبادل، اضطرت «كتائب حزب الله» العراقية إلى الإفراج عن الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف بعد نحو عامين ونصف العام من الاحتجاز.
وفق روايات مسؤولين أميركيين وعراقيين، فإن عملية التحرير جرت يوم التاسع من سبتمبر عقب حصار أمني وسياسي مشدد، أفضى إلى إخراج تسوركوف من منزل في العاصمة بغداد.
تنسيق أميركي ـ عراقي حاسم
وزارة الخارجية الأميركية أكدت أن العملية تمت نتيجة «شراكة حاسمة» مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، مشيرة إلى أن التعاون الأمني بين الجانبين لعب دوراً محورياً في إنجاح الخطة. مصادر عراقية رسمية نفت وجود أي صفقة تتعلق بدفع فدية أو تبادل أسرى.
قيادي بارز في «الكتائب» أقر بأن الفصيل اضطر إلى «التنازل من أجل الأمن العام وعدم إحراج الحكومة العراقية»، في اعتراف يعكس حجم الضغوط التي مورست على الفصيل المدعوم من طهران.
تفاصيل الساعات الأخيرة
مصادر عراقية كشفت أن الخاطفين نقلوا تسوركوف في اليوم الأخير إلى منزل في حي راقٍ بوسط بغداد، ثم تركوها وحيدة قبل أن تتدخل قوة حكومية وتنقلها مباشرة إلى مقر السفارة الأميركية. هناك أجري لها فحص طبي سريع، لتغادر بعدها نحو تل أبيب للقاء عائلتها.
سياسي بارز من «الإطار التنسيقي» أشار إلى أن تسليم تسوركوف إلى إسرائيل أحدث شرخاً غير مسبوق داخل تحالف الفصائل الشيعية الموالية لإيران، إذ قررت بعض المجموعات الانسجام مع توجهات الحكومة العراقية، بينما بقيت «الكتائب» متمسكة بموقفها التقليدي.
وأكد المصدر أن هذا الانقسام يمثل بداية مرحلة جديدة من التباينات داخل ما كان يوصف سابقاً بالجبهة الموحدة تحت رعاية «الحرس الثوري الإيراني».
غياب الرد الإيراني
حتى الآن، لم تُظهر طهران أي رد فعل علني على العملية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على حذر إيراني في التعامل مع حساسية الملف، خصوصاً أنه يتقاطع مع التوازنات الداخلية في بغداد ومع العلاقات العراقية ـ الأميركية التي تشهد اختباراً متجدداً.
يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط الدكتور نادر السالم أن الإفراج عن تسوركوف يكشف عن تغير ملحوظ في موازين القوى داخل العراق، حيث بدت الحكومة أكثر قدرة على فرض إرادتها على بعض الفصائل المسلحة، حتى تلك التي اعتادت على تحدي قرارات الدولة.
رسالة مزدوجة من بغداد
الباحث السياسي علي جابر يعتبر أن ما جرى هو رسالة مزدوجة؛ الأولى موجهة إلى واشنطن تؤكد التزام بغداد بحماية الشراكة الاستراتيجية، والثانية إلى الداخل العراقي بأن الدولة لن تقبل بأن تتحول قرارات الفصائل إلى عبء يهدد مصالح البلاد.
المحللة العراقية هدى الكرخي أشارت إلى أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني واجه واحداً من أصعب اختباراته السياسية والأمنية، موضحة أن نجاحه في تمرير العملية من دون مواجهة دامية قد يعزز صورته كزعيم قادر على الموازنة بين القوى المحلية والضغوط الخارجية.
انعكاسات على محور المقاومة
الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني سامر عبد الغني يرى أن انقسام الفصائل العراقية بشأن الصفقة سيترك أثره العميق على ما يُعرف بمحور المقاومة، لافتاً إلى أن التباين في المواقف سيجعل التنسيق المستقبلي أصعب مما كان في السابق.
من زاوية أميركية، يقول الخبير الأمني مايكل ديفيس إن هذه العملية منحت واشنطن فرصة لإعادة تأكيد نفوذها في العراق عبر إظهار أن التعاون معها يمكن أن يحقق نتائج ملموسة، وهو ما قد يشجع أطرافاً عراقية أخرى على توثيق الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
مأزق إيراني صامت
توضح الباحثة في الشأن الإيراني ليلى الحسيني أن الصمت الإيراني يعكس مأزقاً حقيقياً، فالتدخل العلني كان سيُظهر طهران بمظهر المعرقل لقرار سيادي عراقي، أما ترك الأمور للمجريات فقد يفتح الباب أمام تراجع تدريجي في مستوى تأثيرها على الفصائل.
ويؤكد المحلل الأمني رامي الكاظمي أن هذه الحادثة قد تكون بداية مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أدوار الفصائل في العراق، مشدداً على أن ما بعد الإفراج عن تسوركوف لن يكون كما قبله، سواء على صعيد العلاقة مع الدولة أو في حسابات كل فصيل تجاه حلفائه الإقليميين.






