لا طائرات في الصورة، ولا صواريخ، ولا أعمدة دخان فوق المدن. هناك فقط مياه خليجية تتحرك ببطء، وأشجار مانغروف تمتد جذورها في المياه الضحلة، وبقع داكنة بدأت تقترب من واحدة من أكثر البيئات الساحلية حساسية في جنوب إيران.
في الأيام الأخيرة، وصلت آثار تلوث نفطي إلى محيط غابات هارا في جزيرة قشم، فيما قالت السلطات الإيرانية إن حجم التلوث لا يزال قيد التقييم وإن مصدره لم يُحسم بعد. لكن صور الأقمار الصناعية والرصد الميداني يشيران إلى أن الحادث ليس معزولًا عن سلسلة أوسع من حوادث التلوث التي ظهرت في الخليج منذ اندلاع الحرب.
وهنا تبدأ قصة أخرى للحرب، أقل حضورًا من أخبار الجبهات وأزمة النفط، لكنها قد تكون أطول عمرًا منها.
في هرمز، لا تمر ناقلات النفط وحدها
حين يُذكر مضيق هرمز، تذهب الأنظار تلقائيًا إلى النفط.
الممر البحري الذي يفصل إيران عن شبه الجزيرة العربية هو أحد أهم اختناقات الطاقة في العالم، ولذلك تحوّل منذ بداية الحرب إلى عنوان دائم في الحسابات العسكرية والاقتصادية: حركة الناقلات، صادرات النفط، أسعار الطاقة، والتهديد بإغلاق أحد أكثر الممرات البحرية حساسية.
لكن هرمز ليس خطًا على خريطة الملاحة.
حول المضيق جزر ومسطحات مدية وسواحل ضحلة، تعيش فيها أنواع من الأسماك والطيور والكائنات البحرية، وتمتد فيها غابات المانغروف والأعشاب البحرية والشعاب المرجانية. وفي قشم تحديدًا، تشكل غابات هارا جزءًا أساسيًا من هذا النظام الساحلي.
وهكذا فإن أي حادث نفطي في هذه المنطقة لا يبقى بالضرورة حيث بدأ.
التيارات البحرية تنقل الملوثات، والمد والجزر يعيدان توزيعها، والرواسب الساحلية يمكن أن تحتفظ بها لفترات طويلة.
ما يبدو من بعيد مجرد بقعة على سطح البحر قد يتحول، بعد أيام أو أسابيع، إلى مشكلة مختلفة تمامًا.
قشم أمام اختبار صعب
غابات هارا ليست غابة بالمعنى التقليدي. إنها نظام بيئي نشأ في المنطقة الفاصلة بين البحر واليابسة، وتتكيف أشجاره مع المياه المالحة وحركة المد والجزر.
وهذه البيئة تؤدي وظائف تتجاوز وجود الأشجار نفسها. فهي توفر مناطق حضانة وتغذية للكائنات البحرية، وتؤوي الطيور، وتساعد على تثبيت الرواسب وحماية أجزاء من الساحل.
لكن المانغروف، في الوقت نفسه، من أكثر البيئات التي يمكن أن تحتجز النفط عندما يصل إليها.
فالنفط الذي يطفو في المياه المفتوحة يمكن أن يتشتت بفعل الرياح والتيارات. أما حين يدخل بين الجذور وفي الرواسب، تصبح عملية التخلص منه أكثر تعقيدًا.
وتشير دراسة اعتمدت على صور الأقمار الصناعية إلى وجود تسرب مستمر في منطقة مضيق خوران بالقرب من غابات هارا، مع ظهور بقع نفطية كثيفة في المنطقة المحاذية للمانغروف.
ولهذا فإن الساعات والأيام الأولى بعد وصول النفط إلى المناطق الحساسة قد تكون حاسمة: كلما اتسع نطاق وصوله إلى الجذور والرواسب، أصبحت الاستجابة أكثر صعوبة.
ما تكشفه الأقمار الصناعية
في زمن الحرب، تصبح الصورة من الفضاء أحيانًا أهم من الصورة التي يمكن الحصول عليها من الأرض.
باحثون من جامعة جنوب فلوريدا استخدموا عدة أنواع من بيانات الأقمار الصناعية لرصد التلوث النفطي في الخليج خلال الحرب، من بينها الرادار والاستشعار البصري والأشعة تحت الحمراء الحرارية.
والنتيجة كانت لافتة: ارتفاع في عدد ومساحة البقع النفطية التي رُصدت في الخليج مقارنة بالفترة السابقة، مع تسجيل حالات بالقرب من خارك وقشم ومناطق أخرى.
وفي مايو/أيار، ظهرت بالفعل صور أقمار صناعية لبقعة نفطية واسعة بالقرب من جزيرة خارك، وهي مركز رئيسي لصادرات النفط الإيرانية. وقد وصفت رويترز الحادث حينها بأنه تسرب مشتبه به يغطي عشرات الكيلومترات المربعة، مع استمرار عدم وضوح مصدره النهائي.
هذه الصور لا تستطيع وحدها أن تجيب عن السؤال الأصعب: من أين جاء النفط؟
لكنها تستطيع أن تقول شيئًا آخر لا يقل أهمية: هناك تلوث، وهو يتحرك.
وفي منطقة تعبرها السفن وتنتشر فيها المنشآت النفطية وتدور فيها عمليات عسكرية، تصبح معرفة مصدر كل بقعة مسألة علمية وسياسية في الوقت نفسه.
عندما يصبح تحديد المسؤولية أصعب من احتواء التسرب
في الظروف العادية، يبدأ التعامل مع حادث نفطي بمحاولة تحديد مصدره، ثم احتواء التسرب، ثم أخذ عينات من المياه والرواسب وتحليلها.
الحرب تقلب هذه المعادلة.
سفينة تتعرض لهجوم، ناقلة تغير مسارها، منشأة نفطية تتوقف، حطام يبقى في البحر، أو عملية إنقاذ تتأخر بسبب المخاطر الأمنية؛ وكل واحد من هذه الاحتمالات يمكن أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد.
ولهذا من المهم تجنب القفز من صورة بقعة نفطية إلى اتهام طرف بعينه.
حتى في حالة قشم الحالية، لم تُحسم هوية المصدر بصورة نهائية وفق ما نقلته التقارير الأخيرة. وفي المقابل، توجد أدلة من الرصد الفضائي على تعدد حوادث التسرب في المنطقة منذ بداية الحرب.
المشكلة إذن ليست فقط في كمية النفط التي تسربت، وإنما في صعوبة معرفة أين بدأ التسرب وكيف انتقل وإلى أين يمكن أن يصل.
الخليج لا يملك رفاهية نظام بيئي آخر
الخليج العربي من أكثر البيئات البحرية تعرضًا للضغط البشري أصلًا.
موانئ ومنشآت نفطية، حركة ناقلات كثيفة، مدن ساحلية ضخمة، ارتفاع درجات الحرارة، ملوحة عالية، ومحدودية في موارد المياه العذبة.
وفي هذه الجغرافيا نفسها توجد منظومة بيئية هشة لا يمكن فصلها عن حياة السكان.
المشكلة تصبح أكثر وضوحًا عندما نصل إلى المياه.
فدول الخليج تعتمد بدرجات كبيرة على تحلية مياه البحر، ما يجعل جودة البيئة البحرية جزءًا من قضية أمن مائي، وليس مجرد شأن يخص علماء البيئة أو جمعيات حماية الطبيعة.
أي تلوث كبير لا يعني بالضرورة توقف محطات التحلية، لكن تدهور نوعية المياه الخام يمكن أن يرفع تكاليف المعالجة ويزيد الضغط على بنية مائية تعمل أصلًا في ظروف صعبة.
وهنا يصبح التلوث النفطي واحدًا من المخاطر المتراكمة في منطقة لا تتحمل بسهولة مزيدًا من الضغوط.
أخطر ما في التسرب قد لا يظهر على الشاطئ
في الحروب، تُقاس الخسائر عادةً بما يمكن عده: قتلى، جرحى، مبانٍ مدمرة، منشآت خرجت من الخدمة، وخسائر اقتصادية.
لكن البيئة لا تعمل بهذه الطريقة.
قد يبدو الشاطئ نظيفًا بعد إزالة النفط من سطحه، بينما تبقى أجزاء منه في الرواسب. وقد تختفي البقعة من صور الأقمار الصناعية، في حين تستمر آثارها داخل السلسلة الغذائية.
وهذا تحديدًا ما يجعل المانغروف بيئة حساسة.
الجذور والرواسب والكائنات الصغيرة التي تعيش بينها ليست مجرد تفاصيل في المشهد؛ إنها أجزاء من شبكة غذائية كاملة. وإذا تأثر أحدها، يمكن أن تنتقل آثار التلوث إلى مستويات أخرى من النظام البيئي.
لهذا لا تنتهي عملية تقييم الأضرار عندما تختفي البقعة من سطح البحر.
بل ربما تبدأ عندها المرحلة الأصعب.
الحرب لا تؤجل البيئة.. بل تؤجل اكتشاف الضرر
هناك مفارقة في الكوارث البيئية التي تقع أثناء الحروب: الحاجة إلى المراقبة تكون أكبر، بينما القدرة على القيام بها تكون أضعف.
العلماء يحتاجون إلى الوصول إلى المناطق المتضررة. فرق الطوارئ تحتاج إلى الاقتراب من مصادر التسرب. العينات تحتاج إلى جمع وتحليل. وغابات المانغروف تحتاج إلى مراقبة على مدى أشهر وسنوات، لا أيام فقط.
لكن عندما تكون المنطقة جزءًا من مسرح عمليات عسكرية، يصبح كل ذلك أكثر صعوبة.
لهذا تبدو صور الأقمار الصناعية مهمة الآن، لكنها لن تكون كافية وحدها لتحديد فاتورة الضرر.
ستكون هناك حاجة، في نهاية المطاف، إلى مقارنة المناطق التي تعرضت للتلوث بأخرى لم تتعرض له، وفحص المياه والرواسب، ومراقبة الأسماك والطيور والمانغروف، ثم العودة إلى المنطقة مرة أخرى بعد أشهر وربما سنوات.
فالأثر البيئي للحرب قد يستمر بعد أن تتغير عناوين الأخبار.
من خارك إلى قشم.. البحر يحتفظ بذاكرة الحرب
المشهد في قشم لا يمكن فصله عن ما حدث في خارك ولا عن سلسلة المخاطر التي أصابت حركة الملاحة في الخليج.
فخارك هي القلب النفطي لإيران؛ نحو تسعة أعشار صادراتها من الخام تُحمّل من هذه الجزيرة، بحسب بيانات نقلتها فايننشال تايمز في أغسطس/آب. وقد أدى الحصار البحري المستمر منذ يوليو/تموز إلى توقف حركة تحميل الناقلات هناك لفترة غير مسبوقة خلال الصراع الحالي.
كلما طال تعطّل حركة النفط والسفن، بقيت المنطقة تحت ضغط أكبر.
والأمر لا يتعلق فقط بما يتم تصديره أو بما يرتفع سعره في الأسواق العالمية. هناك أيضًا السفن التي تتعرض للأضرار، والناقلات التي تتوقف، والموانئ التي تتعطل، والمنشآت التي تصبح أهدافًا محتملة، وما يمكن أن يترتب على ذلك كله في البحر.
وفي الأسبوع نفسه الذي تصاعدت فيه المخاوف حول قشم، كانت سلطنة عُمان تواجه كارثة نفطية أخرى قبالة سواحلها، بعد تسرب من ناقلة تحمل مئات آلاف البراميل من النفط الروسي. واتسعت البقعة النفطية بصورة كبيرة، مهددة مناطق بحرية حساسة تضم شعابًا مرجانية وسلاحف وحيتان نادرة.
قد لا يكون للحادثين مصدر واحد، لكنهما يرويان القصة نفسها من زاويتين مختلفتين: بحر الخليج وبحر عُمان أصبحا جزءًا من بيئة أمنية مضطربة، وأي حادث نفطي يقع فيها يصعب التعامل معه كحادث عادي.
ما يبقى بعد الحرب
ربما يكون من السهل التعامل مع التسرب النفطي باعتباره فصلًا صغيرًا في حرب أكبر.
لكن هذا التوصيف يخفي مشكلة جوهرية.
الحرب تنتهي في يوم ما. أما بعض آثارها البيئية فلا تنتهي معها.
يمكن إعادة بناء رصيف ميناء، وإصلاح خط أنابيب، وإعادة تشغيل محطة تصدير. أما غابة مانغروف فقد تحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد وظائفها، وربما لا تستعيدها بالكامل إذا تعرض نظامها البيئي لضرر عميق.
وهذا هو السبب الذي يجعل ما يحدث في قشم يستحق المتابعة حتى بعد أن تتراجع أخبار النفط والحصار والمفاوضات من الصفحات الأولى.
ليس لأننا نعرف الآن أن كارثة بيئية كبرى وقعت؛ لا توجد بعد معطيات كافية للحكم النهائي على حجم الضرر.
بل لأن المؤشرات الموجودة تكفي لطرح سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث عندما تلتقي الحرب، والنفط، والملاحة الكثيفة، وشح المياه، والنظم الساحلية الهشة في مساحة جغرافية ضيقة؟






