في التاريخ الاستخباراتي للشرق الأوسط، يبقى اسم إيلي كوهين أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل. رجل ولد في الإسكندرية لعائلة يهودية مهاجرة من حلب السورية، ليصبح بعد عقود جاسوساً خطيراً في قلب دمشق، يتنقل بين أروقة السلطة، ويُتهم بأنه لعب دوراً في التمهيد لاحتلال الجولان. لكن قصته لم تنته عند حبل المشنقة في ساحة دمشق سنة 1965، بل ما زالت تتجدد مع كل مسعى إسرائيلي لاستعادة رفاته، في معركة رمزية بين دولة تريد إحياء “بطلها”، ونظام يصر على إبقاء قبره مجهولاً كرسالة سياسية بليغة.
المولد والبدايات: من حلب إلى الإسكندرية فتل أبيب
وُلد إيلي كوهين في 6 ديسمبر/كانون الأول 1924 بمدينة الإسكندرية المصرية، لعائلة يهودية من أصول سورية. منذ صغره انخرط في النشاط الصهيوني، وشجع اليهود في مصر على الهجرة إلى إسرائيل. أتقن أربع لغات: العربية، العبرية، الفرنسية والإنجليزية، ما جعله مؤهلاً للعمل الاستخباراتي لاحقاً.
في الخمسينيات، وُجهت له شبهات بالمشاركة في “عملية سوزانا” الشهيرة (فضيحة لافون) لتفجير منشآت غربية بمصر، لكن لم تُثبت إدانته. لاحقاً، هاجر إلى إسرائيل حيث عمل مترجماً ومحللاً في وحدة استخبارات عسكرية، قبل أن يطرق أبواب الموساد، الذي تردد بداية في تجنيده خشية انكشافه.
من “كامل أمين ثابت” إلى قلب دمشق
عام 1961، وُضعت خطة محكمة لإرساله إلى دمشق متخفياً باسم رجل أعمال عربي عائد من الأرجنتين: “كامل أمين ثابت”. عبر شبكة من العلاقات الاجتماعية الواسعة، استطاع كوهين أن يدخل المجالس السياسية والعسكرية في سوريا، حتى صار مقرباً من شخصيات نافذة. الرواية الإسرائيلية تذهب إلى حد القول إنه أصبح صديقاً شخصياً لرئيس الدولة آنذاك أمين الحافظ، وكان مرشحاً لتولي منصب وزاري رفيع.
لكن الرواية السورية تقلل من شأنه، وتعتبر ما نقله مجرد معلومات عامة متاحة للكل، مثل زياراته لمواقع عسكرية في الجولان، دون أن يصل إلى أسرار استراتيجية حقيقية. رغم ذلك، تُتهم تقاريره بأنها ساعدت إسرائيل في التخطيط لاحتلال مرتفعات الجولان خلال حرب 1967، ما رفع مكانته في الذاكرة الإسرائيلية كبطل قومي.
سنوات التجسس في دمشق: من صالونات النخبة إلى أبواب السلطة
حين دخل إيلي كوهين إلى دمشق متخفياً بهوية رجل أعمال مغترب باسم “كامل أمين ثابت”، لم يكن مجرد شخص جديد في العاصمة السورية، بل شخصية صنعت لنفسها غطاءً اجتماعياً بارعاً. سرعان ما أصبح وجهاً مألوفاً في الحفلات الرسمية والمجالس الخاصة، مستفيداً من كرمه المبالغ فيه وقدرته على كسب ثقة من حوله. كان يُنظم الولائم الفاخرة ويستضيف ضباطاً ومسؤولين في منزله، حيث تُسكب الخمور وتُفتح الأحاديث بلا قيود. في هذه الأجواء، حصد كوهين كماً هائلاً من المعلومات، بعضها عسكري وبعضها سياسي، ليُرسلها إلى تل أبيب عبر جهاز إرسال لاسلكي خبأه في شقته.
نجح كوهين في بناء شبكة علاقات واسعة شملت وزراء ونواباً وضباطاً كباراً، وحتى شخصيات اقتصادية كانت على صلة بصناع القرار. تقارير إسرائيلية تزعم أنه أصبح صديقاً مقرباً من الرئيس السوري أمين الحافظ، وأنه كان يُستشار في بعض القضايا الحساسة. بل وصلت الثقة به إلى درجة أن بعض المحيطين بالحافظ اقترحوا تعيينه في منصب وزاري، وهو ما تضاربت حوله الروايات. في إسرائيل، يُقال إنه كاد أن يُعيّن وزيراً للإعلام أو الدفاع، بينما في الرواية السورية يُعتبر هذا تضخيماً دعائياً، وأنه لم يتجاوز حدود كونه وجهاً اجتماعياً محيطاً بالدوائر السياسية لا داخلها.
ما هو ثابت أن كوهين استغل زياراته المتكررة إلى الجبهة في الجولان، حيث رافق ضباطاً ومسؤولين، ليصف بدقة المواقع والتحصينات العسكرية السورية، حتى إنه اقترح – وفق روايات إسرائيلية – زراعة الأشجار حول المواقع لتحسين التمويه، وهي النصيحة التي استغلها الجيش الإسرائيلي لاحقاً في رصد الأهداف. وفي صالونات دمشق السياسية، كان حاضراً دائماً عند أي نقاش حول الانقلابات التي هزّت سوريا في الستينيات، حتى أصبح جزءاً من “المشهد” الذي يضم الطامحين للسلطة والمقرّبين منها.
هذا التغلغل جعل اكتشافه أكثر صدمة: كيف لرجل أجنبي – لم يمضِ على عودته إلى دمشق سوى سنوات قليلة – أن يصل إلى هذه المكانة، ويُعامل بوصفه أحد أبناء النخبة؟ هنا بالضبط تتباين القراءتان: الإسرائيليون يعتبرونها براعة استخباراتية خارقة، والسوريون يرونها مجرد مبالغة تهدف لرفع مكانته في الذاكرة الإسرائيلية.
خيط الاكتشاف: من إشارات لاسلكية إلى سقوط مدوٍّ
رغم البراعة التي أبداها إيلي كوهين في اختراق المجتمع الدمشقي، فإن نشاطه لم يمر دون ريبة. فقد لاحظت أجهزة الأمن السورية في منتصف الستينيات تزايداً في بث إشارات لاسلكية غامضة تصدر من أحياء راقية في العاصمة. كانت تلك الفترة مشبعة بحساسية أمنية بسبب الانقلابات المتكررة والصراع المحتدم مع إسرائيل، ما دفع المخابرات إلى تكثيف عمليات الرصد التقني.
بدأت وحدات مختصة باستخدام أجهزة متطورة لرصد الموجات اللاسلكية، ورُسمت خريطة تقريبية لمصدر البث. ومع تكرار الرصد، تبيّن أن الإشارات تتكرر بانتظام في ساعات محددة من الليل، وأنها صادرة من حي “أبو رمانة”، حيث يقيم كبار المسؤولين والدبلوماسيين. هذه النتيجة أثارت شكوكاً كبيرة، ودفعّت السلطات إلى فرض رقابة مشددة على المنطقة.
في مرحلة لاحقة، جرى تضييق نطاق البحث ليشمل بضعة مبانٍ محددة. ومع توالي عمليات المسح، حُددت الشقة التي كان يقيم فيها “كامل أمين ثابت”. خلال مداهمة مفاجئة، عُثر على جهاز إرسال لاسلكي متطور وشفرة للتواصل مع تل أبيب، ما أكد الشبهات. كانت الصدمة أن المتهم لم يكن شخصاً عادياً، بل الرجل الذي كان يتنقل بحرية في أوساط النخبة السياسية والعسكرية السورية.
الاستخبارات السورية سارعت إلى فرض تعتيم كامل على التحقيقات، قبل أن تكشف لاحقاً للرأي العام أنها ألقت القبض على “جاسوس خطير” هو إيلي كوهين. ومنذ تلك اللحظة تحولت قصته من حكاية اختراق باهر إلى سقوط مدوٍّ انتهى بالمحاكمة والإعدام.
إرث متنازع عليه: من الأرشيف إلى الرفات
خمسون عاماً بعد موته، لم تهدأ فصول قصته. إسرائيل استثمرت شخصيته في الدراما والأدب، بل واستعادت أرشيفه السري في مايو/أيار 2025 عبر عملية مشتركة بين الموساد وجهاز استخباري أجنبي “شريك استراتيجي”، في محاولة لتوثيق ما فعله في دمشق. لكن المعركة الكبرى بقيت حول رفاته.
صحيفة جيروزاليم بوست كشفت مؤخراً أن إسرائيل بدأت جولة جديدة من الجهود لاستعادة جثمانه. وذكرت أن دمشق غيّرت أكثر من مرة مكان دفنه لمنع أي محاولة للعثور عليه. وعلى مر السنين، رفضت الحكومات السورية المتعاقبة الطلبات الإسرائيلية المتكررة لإعادة رفاته “لأسباب إنسانية”، معتبرة أن الملف سياسي بامتياز.
ما وراء القبر: البعد السياسي للصراع على الرفات
في نظر إسرائيل، استعادة رفات كوهين ليست مجرد تكريم لجاسوس سابق، بل قضية هوية وطنية تتعلق بذاكرة الدولة. أما سوريا، فترى في إبقاء قبره مجهولاً ورقة سيادية، ورسالة أن الدولة لم ولن تخضع للابتزاز الإسرائيلي. حتى بعد رحيل نظام بشار الأسد – كما أوردت تقارير إعلامية – ما زال الملف يحاط بالسرية، في دلالة على عمق رمزيته.
قصة إيلي كوهين إذن ليست مجرد فصل من تاريخ الجاسوسية، بل مرآة لصراع أعمق: بين رواية إسرائيلية تمجد “بطلها القومي” الذي اخترق دولة عربية، ورواية سورية تقلل من شأنه وتصر على أن مصيره انتهى بحبل المشنقة. وبين هاتين الروايتين، يظل رفاته الغائب حاضراً بقوة في لعبة السياسة والذاكرة بين دمشق وتل أبيب.






