بينما لا تزال تداعيات الضربات الأميركية والإسرائيلية لمواقع نووية إيرانية حاضرة على الأرض وفي خطاب المسؤولين، تبحث طهران عن مخرج سياسي وقانوني يحفظ أوراقها النووية.
ففي وقت أعلن فيه البرلمان الإيراني أنه يدرس الاتفاق الأخير مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أوضحت مصادر رسمية أن الكلمة النهائية ستظل بيد المجلس الأعلى للأمن القومي برئاسة علي لاريجاني، الذي يتعامل مع الملف النووي من زاوية تتجاوز الحسابات التقنية لتغلب عليها الاعتبارات الأمنية والعسكرية.
البرلمان يناقش.. والقرار بيد الأمن القومي
كشف عباس كودرزي، المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، عن جلسة طارئة مرتقبة للجنة الأمن القومي لمناقشة تفاصيل الاتفاق بحضور وزير الخارجية عباس عراقجي.
ورغم الطابع البرلماني للمناقشات، شدد كودرزي على أن أي تعاون مع الوكالة لن يتم من دون ضوء أخضر من المجلس الأعلى للأمن القومي، في إشارة إلى مركزية القرار الاستراتيجي في هذا الملف.
عراقجي: اليورانيوم تحت الأنقاض
في تصريحات لافتة، أشار وزير الخارجية عباس عراقجي إلى أن «اليورانيوم الخاص بنا يوجد الآن تحت أنقاض المنشآت النووية التي تعرضت للقصف».
وأوضح أن منظمة الطاقة الذرية تقوم بتقييم حجم المواد المتبقية وإمكانية استخدامها، قبل رفع تقرير مفصل للمجلس الأعلى للأمن القومي. وأضاف أن المجلس سيتخذ قراره «وفقاً للاعتبارات الأمنية»، وهو ما يعكس أن طهران باتت تربط مصير برنامجها النووي مباشرة بميزان الردع والضغوط الخارجية.
أوروبا تضغط بخيار «سناب باك»
في موازاة النقاش الداخلي، تواجه إيران ضغوطاً متصاعدة من دول «الترويكا الأوروبية» التي هددت بتفعيل آلية العودة السريعة للعقوبات إذا لم تسمح طهران بعودة المفتشين إلى المواقع النووية الثلاث التي تعرضت للقصف.
كما طالبت لندن وباريس وبرلين إيران بالكشف عن مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، والجلوس على طاولة مفاوضات مباشرة مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق نووي جديد. هذا التشدد الأوروبي يعكس اتجاهاً نحو تدويل الأزمة مجدداً إذا لم تستجب طهران لشروط الشفافية.
تصعيد برلماني: «غروسي عميل للموساد»
لم تغب لهجة التصعيد عن الداخل الإيراني، إذ شن جواد حسيني كيا، نائب رئيس لجنة الصناعات والمناجم في البرلمان، هجوماً عنيفاً على المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، واصفاً إياه بأنه «عميل للموساد».
وذهب أبعد من ذلك بإعلانه أن «إيران ستعتقله إذا جاء إلى طهران». ورأى أن الوكالة سلمت معلومات حساسة لإسرائيل، داعياً إياها إلى إدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية والاعتذار عنها، في تعبير عن أزمة ثقة متفاقمة بين طهران والوكالة.
دعوة لتشكيل «غرفة عمليات» ضد إسرائيل
في البعد السياسي، أطلق أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني دعوة مثيرة للجدل، مطالباً الحكومات الإسلامية بتشكيل غرفة عمليات مشتركة «ضد إسرائيل».
وقال في رسالة نشرها عبر منصة «إكس» إن هذا القرار وحده كفيل بإرباك قادة تل أبيب وداعميها، متهماً الدول الغربية بعدم القيام بأي شيء لنصرة الفلسطينيين.
هذه الدعوة تؤكد أن طهران تقرأ الاتفاق النووي في سياق إقليمي أوسع، حيث يتداخل الملف النووي مع خطوط الصراع المفتوحة في الشرق الأوسط.
قراءة في المشهد: بين الأمن والسياسة
وفقا لخبراء، فإن المسار الحالي يعكس معادلة دقيقة تواجهها القيادة الإيرانية: من جهة، الحاجة إلى الحفاظ على برنامجها النووي كورقة قوة في التفاوض، ومن جهة أخرى، إدراكها أن تجاوز شروط الوكالة الدولية قد يقود إلى إعادة فرض عقوبات أممية قاسية.
وذكروا أنه في ظل الانقسامات الداخلية بين من يرى في الاتفاق فرصة لفتح صفحة جديدة، ومن يعتبره تهديداً للسيادة، يظل القرار النهائي بيد المجلس الأعلى للأمن القومي الذي سيحسم المسألة وفق تقديراته الأمنية والسياسية، ما يترك باب التوقعات مفتوحاً على احتمالات تفاوضية أو تصعيدية خلال الأسابيع المقبلة.
ومن الناحية الإقليمية، كشف محللون أن الاتفاق الأخير بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية يمثل نقطة اختبار جديدة لعلاقات طهران بجوارها العربي والإسلامي.
وبينما تسعى بعض الدول لاحتواء التوتر وتجنب سباق تسلح نووي في المنطقة، ترى أطراف أخرى أن إيران تستخدم هذا الملف لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري، وهو ما يزيد من حدة الاستقطاب ويعقّد فرص بناء منظومة أمنية إقليمية مستقرة.
على الصعيد الدولي، أكد الخبراء أن الاتفاق يفتح الباب أمام عودة الملف النووي الإيراني إلى طاولة المساومات الكبرى بين واشنطن والعواصم الأوروبية، فالغرب يضع معايير صارمة للشفافية والتفتيش، في حين تحاول طهران الموازنة بين إظهار قدر من التعاون والحفاظ على أسرار برنامجها. هذا التباين يعكس إدراك إيران أن التنازل الكامل قد يضعف موقفها التفاوضي، في حين أن التشدد المفرط قد يعرضها لعزلة أشد وعقوبات أكثر قسوة.
وداخلياً، يواجه صانع القرار الإيراني جدلاً متزايداً بين التيارات السياسية، فالمتشددون يعتبرون أي انفتاح على الوكالة الدولية تفريطاً في السيادة، بينما يرى الإصلاحيون أن التهدئة مع المجتمع الدولي ضرورة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتحسين الوضع الداخلي. هذه الثنائية تكشف أن النقاش حول الاتفاق ليس تقنياً فحسب، بل يرتبط أيضاً بصراع النفوذ داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.
من الجانب الأمني، يتعامل المجلس الأعلى للأمن القومي مع الملف بصفته قضية وجودية لا تحتمل المخاطرة. فتعرض المنشآت النووية للقصف كشف هشاشة البنية التحتية وأعاد طرح تساؤلات حول جدوى الاستثمار العسكري في برنامج نووي مكلف ومعرّض للاستهداف، لذلك، فإن أي خطوة لاحقة ستخضع لمعادلة دقيقة بين الحفاظ على عنصر الردع وتجنب خسائر استراتيجية جديدة.
أما على المستوى الاقتصادي، فوفقا لخبراء، فإن استمرار الغموض حول مسار البرنامج النووي يترك تأثيراً مباشراً على بيئة الاستثمار في إيران، لأن التلويح بالعقوبات أو تفعيلها يحد من قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية ويضاعف من أعباء التضخم والبطالة، لذا، يدرك صناع القرار أن أي تهور في إدارة هذا الملف قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي، ما يجعل الاقتصاد عاملاً ضاغطاً في صياغة الموقف النهائي.







