لم يكد الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، يرى النور حتى خرج مئات من أنصار حزب الله إلى شوارع بيروت، في أول مؤشر ميداني على حجم الانقسام الذي قد يرافق تنفيذ بنوده.
فبينما تصف الحكومة اللبنانية الاتفاق بأنه خطوة لاستعادة سيادة الدولة، يعتبره حزب الله محاولة لإعادة رسم موازين القوة داخل لبنان، عبر ربط الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب بنزع سلاح الحزب، وهو الشرط الذي يرفضه بشكل قاطع.
وهنا يبرز السؤال: هل تمثل الاحتجاجات مجرد رفض سياسي، أم أنها إنذار مبكر بصدام داخلي حول مستقبل سلاح حزب الله؟
ماذا يتضمن الاتفاق؟
بحسب ما أعلنته الولايات المتحدة، يضع الاتفاق إطارًا عامًا للوصول إلى “سلام دائم” بين لبنان وإسرائيل، وينص على مسار تدريجي يستعيد من خلاله لبنان سيادته الكاملة على أراضيه، مقابل ترتيبات أمنية تشمل إنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة.
وتؤكد واشنطن أن الهدف هو تمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته على كامل الأراضي، وإنهاء أي وجود عسكري موازٍ للدولة.
في المقابل، ترى إسرائيل أن أي انسحاب كامل من جنوب لبنان يجب أن يسبقه تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، لضمان عدم تكرار المواجهات الحدودية.
لماذا يعارض حزب الله الاتفاق؟
لا ينظر حزب الله إلى سلاحه باعتباره ملفًا أمنيًا فحسب، بل يعتبره جزءًا من معادلة الردع التي تشكلت منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، ثم تعززت بعد حرب يوليو/تموز 2006.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق يربط استقرار الحدود بنزع سلاح الحزب يُفسَّر داخل الحزب على أنه محاولة لإنهاء دوره العسكري والسياسي، وليس مجرد إجراء تنظيمي.
ولهذا جاء التحرك الشعبي في بيروت رسالة مفادها أن ملف السلاح لا يمكن حسمه بقرار دولي أو باتفاق سياسي، بل يرتبط بتوازنات داخلية وإقليمية أكثر تعقيدًا.
لماذا يخشى الحزب من تنفيذ الاتفاق؟
أخطر ما يلفت الانتباه في تصريحات قيادات حزب الله هو التحذير من خطر “الحرب الأهلية” إذا مضت السلطات اللبنانية في تنفيذ بنود الاتفاق.
ويعكس هذا التحذير مخاوف من أن يؤدي أي تحرك لنزع السلاح إلى انقسام داخلي، خاصة أن الحزب يمتلك قاعدة شعبية واسعة، ويعد أحد أبرز الفاعلين في المشهدين السياسي والعسكري اللبناني.
لذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بإقناع الحزب، بل بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة هذا الملف دون إدخال البلاد في مواجهة داخلية جديدة.
ماذا تعني الاحتجاجات في بيروت؟
رغم أن التظاهرات اقتصرت على أنصار حزب الله، فإن توقيتها يحمل دلالات سياسية واضحة.
فالحزب سعى إلى إظهار أن الاتفاق لا يحظى بإجماع وطني، وأن أي محاولة لتنفيذه ستواجه برفض في الشارع، وهو ما يمنحه ورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة بشأن آليات التنفيذ.
كما تعكس التحركات أن الطريق أمام الاتفاق لن يكون سياسيًا فقط، بل سيمر أيضًا باختبار ميداني يرتبط بمدى قبول القوى المحلية ببنوده.
هل يستطيع الاتفاق الصمود؟
يعتمد مستقبل الاتفاق على قدرة الأطراف الثلاثة على تجاوز أكثر بنوده حساسية، وهو ملف سلاح حزب الله.
فإذا تمكنت الحكومة اللبنانية من إيجاد صيغة توازن بين متطلبات السيادة ومخاوف الحزب الأمنية، فقد يشكل الاتفاق بداية مرحلة جديدة على الحدود الجنوبية.
أما إذا تحولت قضية نزع السلاح إلى مواجهة داخلية، فقد يصبح الاتفاق مصدرًا لأزمة سياسية وأمنية جديدة، بدلًا من أن يكون مدخلًا لاستقرار طال انتظاره.
ولهذا، فإن نجاح الاتفاق لن يقاس فقط بوقف المواجهات مع إسرائيل، بل بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخها الحديث، دون أن يتحول السعي إلى تثبيت الاستقرار الخارجي إلى عامل يهدد الاستقرار الداخلي.



