في أزقة غزة التي تعج بالحياة رغم الحصار، كان اسم سليمان العبيد يلمع كالنجمة في سماء كرة القدم الفلسطينية. لم يكن مجرد لاعب بارع، بل رمزًا للأمل لآلاف الأطفال الذين كانوا يرونه وهو يركض على المستطيل الأخضر بخفة، ويسدد الكرة وكأنها رسالة تحدٍ لكل ما يحيط بهم من حصار وقيود.
روح المحارب
وُلد العبيد في مدينة غزة عام 1983، ونشأ في بيئة بسيطة، لكن حلمه كان كبيرًا منذ أن بدأ ركل الكرة في شوارع الحي. صقل موهبته في نادي خدمات الشاطئ، قبل أن ينتقل ليمثل فرقًا بارزة مثل مركز شباب الأمعري في الضفة الغربية، وغزة الرياضي، ويترك بصمته بأكثر من 100 هدف في مسيرته. لكن هدفه المقصي في شباك اليمن عام 2010، خلال بطولة اتحاد غرب آسيا، بقي خالدًا في ذاكرة الجماهير، لأنه لم يكن مجرد هدف، بل لوحة فنية ترسم قدرة الفلسطيني على الإبداع رغم الألم.
نال لقب “بيليه الفلسطيني”، ليس فقط لأنه يملك مهارات فنية استثنائية، بل لأنه حمل على عاتقه حلم أن يرى فلسطين على خارطة كرة القدم العالمية. وفي الملاعب، كان يلعب بروح المحارب، يبتسم للجماهير، ويشجع زملاءه حتى في أصعب اللحظات.
رحل أثناء لعب مباراة
لكن الحلم انكسر برصاصة، حين استشهد سليمان، عن عمر 41 عامًا، بينما كان يقف بين الناس بانتظار مساعدات غذائية جنوبي غزة. رحل وهو أعزل، بلا قميص المنتخب، بلا هتافات الجماهير، لكنه رحل بكرامة من حمل قضية شعبه في قلبه وحذائه الرياضي.
قصة سليمان ليست منفصلة عن حكايات العشرات من الرياضيين الفلسطينيين الذين استشهدوا في غزة منذ بداية الحرب. لاعبون ومدربون وحكام فقدوا حياتهم تحت القصف أو برصاص القناصة، بعضهم رحل أثناء لعب مباراة ودية في أحياء المدينة، وبعضهم في ملاجئ أو طوابير المساعدات. كانوا يركضون يومًا خلف الكرة، ثم وجدوا أنفسهم يركضون للنجاة بحياتهم، قبل أن تسكت أصواتهم إلى الأبد.
موهبة منحت الأمل
في وداعه، كتب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على منصاته: “وداعًا سليمان العبيد، بيليه فلسطين. موهبة منحت الأمل لعدد لا يُحصى من الأطفال، حتى في أحلك الأوقات”. رسالة عزاء من أبعد الملاعب، لكنها كانت شاهدة على أن الموهبة يمكن أن تتخطى الحصار، وأن الحلم قد يصل إلى العالم، حتى لو قُطع الطريق على صاحبه قبل الوصول إلى خط النهاية.
سليمان العبيد رحل، لكن صورته وهو يرفع يديه فرحًا بعد تسجيل هدف، ستظل محفورة في ذاكرة جيله، وفي ذاكرة غزة التي اعتادت أن تصنع من دموعها قصص بطولة، ومن فقدانها أبطالًا خالدين.






