بعد نحو تسع سنوات من المحاولات الأممية الفاشلة، أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسن، استقالته رسميًا، منهياً بذلك نحو سبع سنوات قضاها في المنصب، دون أن يحقق أي اختراق سياسي يُذكر في الملف السوري. وفي كلمته أمام مجلس الأمن، أوضح بيدرسن أن قراره جاء “لأسباب شخصية”، مشيرًا إلى أن استمراره بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 كان بدافع ما وصفه بـ”التغيرات الاستثنائية” في البلاد و”بداية فصل جديد”. ومع ذلك، فإن استقالته تُعَدّ أيضًا اعترافًا غير مباشر بعجز الأمم المتحدة عن دفع العملية السياسية إلى الأمام، رغم التغير الجذري المتمثل في الإطاحة بنظام بشار الأسد.
إخفاقات متراكمة منذ 2011
منذ اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، وجدت الأمم المتحدة نفسها أمام أزمة غير مسبوقة، سرعان ما تحولت إلى صراع دموي متعدد الأطراف. المبادرة الأولى جاءت عبر الجامعة العربية، التي أرسلت فريق مراقبين بقيادة السوداني محمد الدابي في ديسمبر/كانون الأول 2011، لكنها فشلت سريعًا بعد اتهامات بانحيازها للنظام. عقب ذلك، تولت الأمم المتحدة إدارة الملف، وعيّنت أربعة مبعوثين متعاقبين: كوفي عنان، الأخضر الإبراهيمي، ستيفان دي ميستورا، وأخيرًا غير بيدرسن. ورغم خبراتهم الدبلوماسية الطويلة، لم يتمكن أي منهم من تحقيق اختراق سياسي، بل تحولت مهامهم إلى محطات متكررة من البيانات واللقاءات غير المثمرة، فيما كان النظام السوري يواصل سياسة الأرض المحروقة بدعم من روسيا وإيران، حتى سقوطه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
كوفي عنان: خطة النقاط الست وجنيف 1
كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كان أول المبعوثين وأكثرهم وضوحًا. ففي فبراير/شباط 2012، طرح خطته الشهيرة ذات النقاط الست، والتي دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإطلاق المعتقلين، وضمان حرية التظاهر والصحافة، وإدخال المساعدات الإنسانية. لكن رد النظام السوري كان تصعيد العنف بدلًا من التهدئة، ما وضع عنان في موقف صعب. ومع ذلك، استطاع أن يمهد الطريق لمؤتمر “جنيف 1” في يونيو/حزيران 2012، الذي أقرّ مبادئ انتقال سياسي وهيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة. لكن غياب الإرادة الدولية لتنفيذ هذه المقررات جعله يعلن استقالته بعد أشهر فقط، واصفًا تجربته في سوريا بأنها من أصعب اللحظات في مسيرته.
من الإبراهيمي إلى دي ميستورا: محاولات عقيمة
خلف عنان المبعوث الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي، الذي حاول البناء على مخرجات جنيف عبر عقد “جنيف 2” في يناير/كانون الثاني 2014، لكنه اصطدم بتعنّت النظام السوري وانقسام المعارضة. ومع استمرار الحرب وتدخل روسيا العسكري المباشر عام 2015، ازداد المشهد تعقيدًا. جاء بعده الإيطالي ستيفان دي ميستورا، الذي عُرف بخططه “المجتزأة” مثل مقترح “تجميد القتال” في بعض المناطق، إلا أن هذه الأفكار تحولت إلى أدوات بيد النظام لتشديد الحصار وإطالة أمد الحرب. واتُهم دي ميستورا غير مرة بأنه منح شرعية إضافية للنظام تحت غطاء “المصالحات”.
بيدرسن: الهدنة المؤقتة والفصل الأخير
حين تولى بيدرسن منصبه عام 2019، كانت المعارضة قد فقدت معظم معاقلها، فيما رسخت روسيا وإيران نفوذهما العسكري والسياسي. اكتفى المبعوث النرويجي بالدفع نحو “اللجنة الدستورية”، التي تحولت إلى ساحة تعطيل بين وفود النظام والمعارضة، دون أن تحقق أي تقدم. ومع سقوط النظام أواخر 2024، حاول بيدرسن مواكبة “المرحلة الجديدة”، لكنه وجد نفسه أمام واقع لا يملك أدوات للتأثير فيه، خصوصًا بعد تراجع النفوذ الإيراني وخروج روسيا منهكة بسبب حرب أوكرانيا. وهكذا، غادر منصبه تاركًا وراءه إرثًا من الاجتماعات الفارغة والآمال المؤجلة.
عقد من الإخفاقات
تجربة المبعوثين الأربعة تكشف عن معضلة جوهرية في المقاربة الأممية للأزمة السورية: غياب الإرادة السياسية لدى القوى الكبرى، وتحكم التوازنات الدولية بمصير الملف. فبينما كانت الأمم المتحدة تعقد مؤتمرات في جنيف ونيويورك، كان السوريون يعيشون تحت وابل القصف، ويتعرضون للتهجير والتجويع. ومع أن سقوط النظام فتح صفحة جديدة، فإن غياب إطار دولي متماسك يجعل مستقبل سوريا لا يزال رهين التجاذبات الإقليمية والدولية، فيما يظل السوريون بانتظار مسار سياسي يعكس تضحياتهم.






