دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية مع استمرار الضربات الأميركية لليوم السادس على التوالي، واتساع نطاق الأهداف ليشمل بنى تحتية حيوية داخل إيران، في وقت ردت فيه طهران باستهداف دول خليجية متحالفة مع واشنطن، ما يعكس انتقال الصراع من استنزاف القدرات العسكرية إلى الضغط على مقومات الحياة الاقتصادية والخدمية.
وأعلن الجيش الأميركي أنه نفذ، مساء الجمعة، سلسلة جديدة من الغارات استهدفت عشرات المواقع الإيرانية، بينها منظومات دفاع جوي، ومواقع مراقبة ساحلية، ومنشآت لوجستية عسكرية، وبنية تحتية بحرية، مؤكداً أن العمليات تأتي في إطار مواصلة إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية.
وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا)، أسفرت الغارات عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة عشرين آخرين، بينما أكدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن الهجمات بدأت في السابعة مساءً بتوقيت غرينتش، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
البنية التحتية… ساحة الحرب الجديدة
ورغم أن واشنطن تؤكد أن أهدافها ذات طبيعة عسكرية، فإن السلطات الإيرانية تحدثت عن أضرار واسعة طالت شبكة الكهرباء في جنوب البلاد، إلى جانب الجسور، والموانئ، والمطارات، ومحطات القطار، وشبكات الاتصالات، وهي منشآت تمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية والاقتصاد.
ويعكس هذا التطور تحولاً واضحاً في طبيعة الحرب، إذ لم تعد المواجهة تقتصر على تدمير القدرات القتالية، بل أصبحت تستهدف البنية التي تضمن استمرار عمل الدولة. ويهدف هذا النوع من الضغوط إلى رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على القيادة الإيرانية، ودفعها نحو تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد لوح في وقت سابق بإمكانية استهداف الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية إذا لم تستجب طهران للعودة إلى المفاوضات، في رسالة فسرتها طهران باعتبارها انتقالاً إلى سياسة الضغط الشامل.
الرد الإيراني… توسيع دائرة الأهداف
في المقابل، لم تكتف إيران بالرد داخل حدود المواجهة المباشرة، بل وسعت دائرة الرد لتشمل دولاً خليجية تستضيف قواعد أو قوات أميركية، معتبرة أن أي دولة تشارك في العمليات أو تقدم تسهيلات عسكرية لواشنطن أصبحت جزءاً من المعركة.
وأكد متحدث باسم الجيش الإيراني أن استهداف البنية التحتية الإيرانية يعني أن “كل البنية التحتية في المنطقة ستصبح أهدافاً مشروعة”، في إشارة إلى منشآت الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية وخطوط النقل في الخليج.
كما أعلن الحرس الثوري أن عملياته ستتواصل حتى “عودة الهدوء إلى الساحل الجنوبي وفي مضيق هرمز”، وهو تصريح يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز العمليات العسكرية المباشرة.
مضيق هرمز… ورقة ضغط تتحول إلى عبء على الجميع
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق الدولية وأسعار الطاقة.
لكن المفارقة، وفق عدد من المحللين، أن المضيق لم يعد مجرد ورقة ضغط بيد إيران، بل تحول إلى مساحة يخسر فيها جميع الأطراف. فإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه سيؤدي إلى خسائر اقتصادية ضخمة لإيران نفسها، كما سيؤثر في صادرات النفط الخليجية وحركة التجارة العالمية، ويزيد الضغوط على الاقتصاد الدولي.
ولهذا وصف الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ديفيد خلفا مضيق هرمز بأنه “فخ للطرفين المتحاربين”، في إشارة إلى أن التصعيد المتبادل قد يدفع الجميع إلى خيارات يصعب التراجع عنها.
استراتيجية الاستنزاف بدل الحسم
تشير التطورات الميدانية إلى أن أياً من الطرفين لا يملك حتى الآن القدرة على فرض حسم عسكري سريع. فالولايات المتحدة تعتمد على الضربات الجوية والصاروخية لإضعاف القدرات الإيرانية تدريجياً، بينما تراهن إيران على استنزاف خصومها عبر توسيع نطاق الردود، ورفع كلفة الوجود الأميركي في المنطقة.
ويبدو أن الحرب تدخل مرحلة تقوم على إنهاك الخصم اقتصادياً وعسكرياً ونفسياً، أكثر من السعي لتحقيق انتصار تقليدي على الأرض، وهو نمط من الصراعات يطيل أمد المواجهة ويزيد احتمالات اتساعها.
هل تقترب المنطقة من مواجهة إقليمية؟
أخطر ما في التصعيد الحالي أنه لم يعد محصوراً بين واشنطن وطهران، بل بدأ يمتد إلى محيطهما الإقليمي، مع تعرض دول الخليج لهجمات، واستهداف منشآت مدنية وحيوية، وازدياد التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز.
ومع كل ضربة جديدة، تتراجع فرص احتواء الأزمة دبلوماسياً، بينما ترتفع احتمالات الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع قد تشمل أطرافاً إضافية، وتؤثر بصورة مباشرة في أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الدولي.






