المشهد الإسرائيلي اليوم يعكس تناقضًا واضحًا بين طموحات القيادة السياسية وتقديرات المؤسسة العسكرية. فبينما يعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس أن “غزة تحترق” في إطار هجوم واسع يستهدف القضاء على حركة حماس، تكشف تقارير صحفية مثل الإيكونوميست ونيويورك تايمز أن التوقعات الواقعية داخل المؤسسة العسكرية أكثر تواضعًا. رئيس الأركان إيال زامير أبلغ الحكومة مرارًا أن توجيه ضربة قاضية إلى حماس قد يستغرق سنوات، وربما يكون مستحيلاً، في إشارة إلى إدراك عميق لتعقيدات المعركة داخل بيئة حضرية مأهولة ولقدرة الحركة على امتصاص الضربات وإعادة التموضع.
الأرض المحروقة
هذا التباين بين الطموح السياسي والقدرة العسكرية الفعلية يزداد تعقيدًا بوجود البعد الأميركي. فبحسب مصادر دبلوماسية، صبر الرئيس دونالد ترامب بدأ ينفد إزاء وعود نتنياهو بأن العملية على غزة ستكون كفيلة بإنهاء حماس. وإذا تبيّن لاحقًا أن هذه الوعود غير واقعية، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام ضغوط أميركية مباشرة لوقف إطلاق النار، وهو ما قد يشكل ضربة سياسية قوية لنتنياهو في لحظة يخوض فيها معارك داخلية وخارجية متشابكة.
على الأرض، تكثف إسرائيل هجماتها الجوية والبرية، وتنسف مباني سكنية في شمال غزة، وتوجه إنذارات بالإخلاء لمناطق واسعة مثل الميناء وحي الرمال. هذه التكتيكات، التي تقوم على “الأرض المحروقة” وتهجير المدنيين، لا تعني بالضرورة تحقيق هدف الحسم، بل قد تمنح حماس مزيدًا من الفرص لتنفيذ كمائن وحرب عصابات بمجرد دخول القوات الإسرائيلية إلى قلب المدينة. تقديرات المسؤولين الذين نقلت عنهم نيويورك تايمز تشير بوضوح إلى أن الحركة تنتظر لحظة التوغل البري لتستنزف الجيش في معركة طويلة الأمد.
ملفات قضائية أمام المحكمة الجنائية
في السياق الأوسع، يبدو أن نتنياهو يستخدم لغة التصعيد ليس فقط لمخاطبة حماس، بل أيضًا لترسيخ صورته كزعيم يقاتل حتى النهاية، رغم أنه يواجه ملفات قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية وضغوطًا داخلية متزايدة. في المقابل، تعكس مواقف الجيش تحذيرًا مبطنًا من مغبة الإفراط في الوعود السياسية التي قد تفوق قدرة القوة العسكرية على الإنجاز.
يمكن القول إن العملية العسكرية في غزة لا تُقاس فقط بنتائجها الميدانية المباشرة، بل أيضًا بمدى قدرة نتنياهو على إقناع الداخل الإسرائيلي والخارج الأميركي بأن الحسم ممكن. وإذا اتضح العكس، فإن نتائج هذه الجولة قد تنعكس على مكانة إسرائيل الإقليمية وعلى مستقبل القيادة السياسية ذاتها، بما يجعل الحرب الحالية اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لمتانة قدرة الجيش على التعامل مع حرب المدن، واختبارًا لمصداقية القيادة أمام حليفها الأكبر في واشنطن.






