عاد ملف قبرص إلى واجهة التوترات الإقليمية في شرق البحر المتوسط بعد تحذيرات تركية شديدة اللهجة أعقبت توقيع اتفاقية تعاون دفاعي بين اليونان وفرنسا داخل الإدارة القبرصية اليونانية في جنوب الجزيرة، في خطوة اعتبرتها أنقرة تهديداً مباشراً لمصالحها ومصالح القبارصة الأتراك.
وتعكس التطورات الأخيرة استمرار حالة الاستقطاب في شرق المتوسط، حيث تتداخل الخلافات التاريخية المتعلقة بقبرص مع النزاعات الأوسع حول النفوذ البحري والطاقة والترتيبات الأمنية في المنطقة.
أنقرة ترفع سقف التحذيرات
أعلنت وزارة الدفاع التركية أن أي تحالفات أو ترتيبات عسكرية تستهدف ما وصفته بحقوق ومصالح تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية “لن يكون لها أي فرصة للنجاح”، مؤكدة أن القوات المسلحة التركية مستعدة لاتخاذ ما يلزم لحماية أمن القبارصة الأتراك.
وجاءت هذه التصريحات في أعقاب توقيع اتفاق دفاعي بين فرنسا واليونان يسمح بتعزيز الوجود العسكري الفرنسي في جنوب قبرص، وهو ما أثار اعتراضاً تركياً فورياً.
وترى أنقرة أن أي خطوات عسكرية أو أمنية تتم في الجزيرة دون مراعاة مصالح القبارصة الأتراك من شأنها تعميق الانقسام القائم وتهديد التوازن الهش في المنطقة.
ما الذي يتضمنه الاتفاق الفرنسي اليوناني؟
بحسب ما أعلنته الأطراف المعنية، يهدف الاتفاق إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين باريس وأثينا داخل جنوب قبرص، بما يشمل تسهيلات عسكرية وتنسيقاً أمنياً أوسع.
ورغم أن الاتفاق يقدم رسمياً باعتباره جزءاً من التعاون الدفاعي الأوروبي، فإن تركيا تنظر إليه من زاوية مختلفة، معتبرة أنه يندرج ضمن سلسلة من التحركات الرامية إلى محاصرة نفوذها في شرق المتوسط وتعزيز موقع خصومها الإقليميين.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة تنافساً متزايداً حول قضايا الطاقة وطرق الملاحة البحرية وترسيم الحدود الاقتصادية.
أردوغان: لن نقبل بفرض أمر واقع
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انضم إلى موجة التحذيرات الرسمية، مؤكداً أن بلاده سترد بشكل “واضح وحازم” على أي إجراءات تمس حقوق تركيا أو حقوق القبارصة الأتراك.
واتهم أردوغان أطرافاً خارجية بالسعي إلى تأجيج الخلافات في شرق المتوسط عبر مبادرات قد تؤدي، بحسب وصفه، إلى زعزعة الاستقرار بدلاً من تعزيز الأمن.
وتعكس تصريحات الرئيس التركي تمسك أنقرة بموقفها التقليدي القائم على رفض أي ترتيبات تتجاهل وجود القبارصة الأتراك أو تستبعدهم من المعادلات السياسية والأمنية المتعلقة بالجزيرة.
قبرص.. نزاع تاريخي لم يُحل
لا يمكن فهم التصعيد الحالي بمعزل عن تاريخ الانقسام القبرصي المستمر منذ عقود. فالجزيرة لا تزال مقسمة بين شطر جنوبي تديره الحكومة القبرصية اليونانية المعترف بها دولياً، وشطر شمالي تديره جمهورية شمال قبرص التركية التي لا تعترف بها سوى تركيا.
وخلال السنوات الأخيرة، تحول شرق المتوسط إلى ساحة تنافس متزايد بين تركيا من جهة واليونان وقبرص اليونانية من جهة أخرى، خاصة بعد اكتشافات الغاز الطبيعي ومساعي الدول المختلفة لترسيم مناطقها الاقتصادية البحرية.
هل يتجه شرق المتوسط إلى جولة جديدة من التوتر؟
يرى مراقبون أن الاتفاق الدفاعي الجديد قد يزيد من حدة التوتر السياسي والعسكري في المنطقة، خصوصاً في ظل تمسك جميع الأطراف بمواقفها المتعارضة بشأن مستقبل قبرص وترتيبات الأمن الإقليمي.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه فرنسا واليونان أن تعاونهما الدفاعي يهدف إلى تعزيز الاستقرار، تعتبر تركيا أن أي ترتيبات أمنية لا تأخذ في الاعتبار مصالحها ومصالح القبارصة الأتراك قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتفتح الباب أمام مزيد من الاحتكاكات في شرق البحر المتوسط.
ومع استمرار غياب تسوية سياسية شاملة للقضية القبرصية، تبدو الجزيرة مرشحة للبقاء إحدى أبرز نقاط التوتر في شرق المتوسط خلال المرحلة المقبلة.




