تحمل معظم الأمراض درجة من الخطورة، ولكن عندما يكون المرض مرتبطًا بالدماغ أو المخ، فإنه يُشكل إعلان طوارئ وجرس إنذار بضرورة التدخل الطبي الفوري. هذا ينطبق بشكل خاص على الالتهاب السحائي، أو ما يُعرف بالحمى الشوكية، الذي يُصيب الأطفال بشكل شائع. وعلى الرغم من خطورته، لا يزال هذا المرض غير معروف للبعض، ولأنه حالة قد تتطور بسرعة وقد تكون مضاعفاته مهددة للحياة، نقدم لكم من خلال هذا المقال كل ما يهمك معرفته عن التهاب السحايا، وكيفية الوقاية منه.
ما هو مرض الالتهاب السحائي؟ وأعراضه المتغيرة حسب العمر
التهاب السحايا، أو الحمى الشوكية، هو عدوى خطيرة تُسبب التهاب بطانة الدماغ والحبل الشوكي. السحايا هي ثلاثة أغشية أو طبقات رقيقة من الأنسجة تُغطي الدماغ والحبل الشوكي. قد يحدث التهاب السحايا بسبب فيروس أو بكتيريا أو غيرها من المسببات. بشكل عام، يُعد الالتهاب السحائي البكتيري (الجرثومي) أكثر خطورة من الفيروسي، وقد يُسبب ضررًا دائمًا، بما في ذلك فقدان السمع، التخلف العقلي، أو حتى الوفاة.

تختلف أعراض الالتهاب السحائي حسب العمر وسبب العدوى، حيث تختلف الأعراض الناجمة عن الالتهاب السحائي البكتيري عن تلك الناجمة عن عدوى فيروسية. قد تظهر الأعراض بعد عدة أيام من إصابة الطفل بالبرد وسيلان الأنف، أو الإسهال والقيء، وقد لا تظهر على الطفل جميع العلامات والأعراض.
أعراض الالتهاب السحائي عند الرضع: يمكن أن تشمل أعراض التهاب السحايا عند الصغار والرضع ما يلي: الحمى أو انخفاض في درجة الحرارة، التهيج، الشعور بالنعاس أو صعوبة الاستيقاظ، صعوبة أو رفض الرضاعة، تصلب الطفل، القيء والإسهال، تقوس الظهر، البكاء الذي لا يتوقف، طفح جلدي أو كدمات أرجوانية حمراء، شحوب الجلد، ونوبات تشنج. قد يُعاني الرضع أيضًا من انتفاخ في اليافوخ (البقعة الناعمة أعلى رؤوسهم) وصراخ غير عادي أو عالي النبرة.
أعراض الالتهاب السحائي عند الأطفال والبالغين: تشمل أعراض التهاب السحايا لدى الأطفال الأكبر سنًا (أكبر من سنة) والبالغين ما يلي: حمى، صداع شديد للغاية، تصلب الرقبة، آلام في الظهر، حساسية للضوء، قيء وغثيان، التعب والنعاس، التهيج، ارتباك وعدم تركيز، آلام العضلات والمفاصل، نوبات تشنج أو صرع، وانخفاض الإدراك. يُعاني بعض الأشخاص المصابين بالتهاب السحايا من طفح جلدي أو كدمات أرجوانية حمراء.
أنواع الالتهاب السحائي: من الفيروسي إلى غير المعدي
تختلف أعراض الحمى الشوكية أو التهاب السحايا وفقًا للمسبب ورائه، ويُصنف في العموم إلى خمسة أنواع، أكثرها شيوعًا هو الناجم عن عدوى فيروسية وأكثرها خطورة هو الالتهاب السحائي البكتيري.
التهاب السحايا الفيروسي: يحدث عندما تُسبب فيروسات مثل الأنفلونزا أو الهربس، وفيروس النكاف (الفيروس المخاطي) وغيرها عدوى في الأنسجة التي تُغطي وتحمي العمود الفقري والدماغ. هذا النوع هو الأكثر شيوعًا ولكن من السهل التعافي منه في المنزل بمساعدة مسكنات الألم، ومضادات الفيروسات، والراحة السريرية.
التهاب السحايا البكتيري: يحدث بسبب عدة أنواع مختلفة من البكتيريا، وعلى رأسها المكورات العقدية من المجموعة ب، والإشريكية القولونية، والمستدمية النزلية من النوع ب (Hib)، والبكتيريا العقدية التي تُسبب الالتهاب الرئوي. يمكن أن تُسبب بكتيريا الزهري والسل ومرض لايم أيضًا التهاب السحايا الجرثومي. يُعد هذا النوع ثاني أكثر أشكال التهاب السحايا شيوعًا والأشد خطورة، إذ يمكن أن يكون قاتلاً إذا تُرك دون علاج، وقد يؤدي إلى آثار لاحقة خطيرة في حياة المتعافين منه مثل تلف الدماغ أو بتر الأطراف.
التهاب السحايا الفطري: هو نوع نادر يُسببه في الغالب فطر Cryptococcus، الموجود في التربة والأوساخ. تحدث معظم حالاته في أفريقيا. يُمكن لهذه الفطريات عند استنشاقها أن تُصيب الدم وتنتشر إلى الأنسجة المحيطة بالحبل الشوكي وتُسبب الالتهاب. عادةً ما يؤثر فقط في أولئك الذين لديهم ضعف في الجهاز المناعي، مثل المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية أو كبار السن.
التهاب السحايا الطفيلي: نوع آخر نادر للغاية، يُسببه في الغالب نوع من الأميبا النيجلرية الدجاجية (تُعرف بالأميبا الآكلة للدماغ). تعيش هذه الطفيليات في أجسام المياه الدافئة والراكدة والعذبة. يُمكن للطفيليات المسببة لالتهاب السحايا أن تُحدث العدوى عبر استنشاقها عبر الأنف ثم تنتقل إلى الدماغ وتُدمر أنسجته.
التهاب السحايا غير المعدي: يحدث نتيجة لاضطرابات معينة، أو ردود فعل سلبية على الأدوية أو المواد الكيميائية. هو مصطلح شامل يُستخدم للإشارة إلى هذه الأنواع التي لا تنتج عن عدوى كامنة، ولهذا السبب، فهي ليست معدية. تشمل أسباب التهاب السحايا غير المعدي: إصابات الرأس، جراحة الدماغ، السرطان، ومرض الذئبة.
أسباب التشخيص والعلاج: خطوات حاسمة للتعافي
غالبًا ما يحدث التهاب السحايا بسبب عدوى بكتيرية أو فيروسية أو طفيلية أو فطرية تنتقل إلى السائل الشوكي الدماغي (CSF). يُعد الالتهاب السحائي الناجم عن فيروس أكثر شيوعًا وعادةً ما يكون أقل خطورة، بينما الالتهاب السحائي الجرثومي أكثر شدة وقد يؤدي إلى مضاعفات طويلة الأمد أو الوفاة.
عادة ما تنمو البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تُسبب التهاب السحايا في الجهاز التنفسي للشخص. قد لا تظهر أي أعراض عليه على الإطلاق، ولكنه قد يحمل الكائن الحي في أنفه وحلقه. وقد تنتشر عن طريق: الاتصال الوثيق مع شخص يحمل العدوى، لمس الأشياء المصابة (مثل مقابض الأبواب أو الأسطح الصلبة أو الألعاب) ثم لمس الأنف أو الفم أو العينين، وقطرات من العطس، أو محادثة قريبة، أو التقبيل. تبدأ العدوى عادةً في الجهاز التنفسي، وقد تُسبب في البداية نزلة برد، أو التهاب الجيوب الأنفية، أو الأذن، ويمكن بعد ذلك أن تصل العدوى إلى مجرى الدم ومنها إلى الدماغ والحبل الشوكي.
كيف يتم تشخيص التهاب السحايا أو الحمى الشوكية؟ سيسأل الطبيب عن الأعراض الظاهرة على الطفل وتاريخه الصحي، وبعدها سيجري فحصًا بدنيًا كاملًا وسيخضع الطفل للفحوص التالية لتأكيد أو استبعاد الإصابة بالتهاب السحايا:
البزل القطني (بزل السائل الشوكي): هو الاختبار الوحيد الذي يُشخص التهاب السحايا. يُدخل الطبيب إبرة في أسفل الظهر، في القناة الشوكية (المنطقة المحيطة بالنخاع الشوكي) ويقيس الضغط فيها. تُزال كمية صغيرة من السائل الشوكي الدماغي (CSF) وتُرسل للاختبار لمعرفة ما إذا كان هناك عدوى أو مشكلات أخرى.
تحاليل الدم: تُساعد فحوص الدم على تأكيد وجود عدوى أو التهاب، ومنها تحليل صورة الدم الكاملة وتحليل LDH.
الأشعة المقطعية أو التصوير بالرنين المغناطيسي: تُظهر هذه الاختبارات صورًا للدماغ، مما يُساعد على تشخيص التهاب السحايا أو الحالات التي قد تُسبب أعراضًا مشابهة. هذه الاختبارات تُؤكد التشخيص لكن لا يُمكن الاعتماد عليها وحدها لتشخيص التهاب السحايا.
مسحات من الأنف أو الحلق أو المستقيم: تُساعد هذه الاختبارات على التحقق من الفيروسات التي تُسبب التهاب السحايا.
كيفية علاج التهاب السحايا؟ يعتمد علاج الالتهاب السحائي على نوعه أو السبب ورائه. إذا اشتبه الطبيب في إصابة الطفل بالتهاب السحايا، فقد يبدأ بوصف المضادات الحيوية قبل تشخيص نوعه، وذلك لأن الالتهاب السحائي الجرثومي هو أكثر الأشكال تهديدًا للحياة، لذلك يلزم العلاج الفوري لمنع تطوره والتسبب في مضاعفات صحية خطيرة. بمجرد تشخيص سبب التهاب السحايا، يمكن أن يبدأ العلاج المحدد:
علاج الالتهاب السحائي الفيروسي: لا يتطلب في معظم الحالات أي علاج، وعادةً ما تكون أعراضه خفيفة، وتختفي من تلقاء نفسها دون علاج خلال أسبوع تقريبًا. لا يحتاج المريض إلى الذهاب إلى المستشفى ويمكن التعافي مع بعض الراحة والترطيب ومسكنات الألم.
علاج الالتهاب السحائي البكتيري: يُعالج على الفور بالمضادات الحيوية الوريدية لأنه قد يتطور بسرعة بشكل يُهدد الحياة. في الحالات الشديدة، يُمكن دمج المضادات الحيوية مع الكورتيكوستيرويدات لتقليل الالتهاب والمضاعفات المرتبطة به، مثل تورم الدماغ. سيحصل المريض على محلول ملحي عن طريق الوريد لمنع الجفاف من التسبب في مزيد من المضاعفات، وقد تكون هناك حاجة إلى قناع الأكسجين. قد يحتاج المرضى إلى البقاء في المستشفى لبضعة أيام على الأقل، وفي الحالات الخطيرة قد يستغرق العلاج أسابيع، وخلال هذه الفترة سيتم مراقبة العلاج عن قرب.
علاج الالتهاب السحائي الفطري: يتطلب دواءً مضادًا للفطريات يُعطى عادةً عن طريق الوريد في المستشفى. يعتمد الوقت الذي سيستغرقه العلاج على نوع الفطريات المسببة للعدوى، ومدى قوة الجهاز المناعي، لكن العلاج قد يستغرق أحيانًا أكثر من شهر. قد يُسبب العلاج المضاد للفطريات أيضًا آثارًا جانبية خطيرة، مثل تلف الكبد والكلى.
علاج الالتهاب السحائي الطفيلي: يُعالج هذا النوع بمضادات الطفيليات. في الحالات التي تتطور فيها العدوى الطفيلية إلى مرحلة أكثر خطورة، يُمكن إعطاء الكورتيكوستيرويدات لتقليل أي التهاب يُسببه الطفيلي.
علاج الالتهاب السحائي غير المعدي: يعتمد علاجه على السبب الكامن وراءه. على سبيل المثال، إذا كان سبب التهاب السحايا هو نوع من الأدوية، فقد يُنصح الطبيب بالتوقف عن تناوله. إذا كان الالتهاب السحائي ناجمًا عن اضطراب ما، مثل مرض الذئبة، فيجب معالجة الاضطراب الأساسي.
أدوية متعلقة بالتهاب السحايا: لا يحتاج التهاب السحايا الفيروسي سوى الراحة وشرب السوائل والباراسيتامول. أما التهاب السحايا البكتيري فيُعالج بالمضادات الحيوية الوريدية وفقًا لنوع البكتيريا المسببة للعدوى، وتشمل المضادات الحيوية الشائعة: البنسلين، الأمبيسلين، اسيفوتاكسيم، سيفترياكسون، الكلورامفينيكول، سيفيبيم، وفانكومايسين.
الوقاية والمضاعفات: حماية أطفالنا من الحمى الشوكية
إذا كان الطفل على اتصال وثيق بشخص مصاب بالتهاب السحايا البكتيري، فقد يتم إعطاؤه مضادات حيوية لتقليل خطر الإصابة بالعدوى. يمكنك تقليل احتمالية الإصابة بالعدوى بشكل عام إذا اتبعت وأطفالك ممارسات النظافة الجيدة التالية: اغسل يديك بانتظام، لا تشارك الأكواب أو أدوات المائدة، اعطس في مرفقك، وقم برمي المناديل في سلة المهملات مباشرةً بعد الاستخدام واغسل يديك.
من المهم البقاء على اطلاع دائم بالتطعيمات الروتينية في مرحلة الطفولة للوقاية من العدوى الخطيرة مثل التهاب السحايا. تتوافر أيضًا لقاحات اختيارية إضافية ضد بعض سلالات المكورات السحائية.
تطعيم الالتهاب السحائي: يتوافر عدد من اللقاحات لمنع بعض أنواع العدوى البكتيرية التي قد تُسبب التهاب السحايا وتشمل:
لقاح الأنفلونزا من النوع ب (Hib): يُعطى للطفل في أثناء التطعيمات الروتينية بدءًا من عمر شهرين.
لقاح المكورات الرئوية PCV13: تُوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بهذا اللقاح لجميع الأطفال الأصحاء الذين تقل أعمارهم عن عامين، ويُمكن إعطاؤه مع لقاحات الأطفال الأخرى. يُوصى به للأعمار من شهرين، و4 أشهر، و6 أشهر، ومن 12 إلى 15 شهرًا. يُنصح أيضًا بجرعة واحدة للأطفال الأكبر سنًا الذين لم يحصلوا على التطعيم الرباعي، ولأولئك المعرضين لخطر كبير للإصابة بمرض المكورات الرئوية.
لقاح المكورات الرئوية PPSV23: يُوصى بهذا اللقاح أيضًا للأطفال الأكبر سنًا المعرضين لخطر كبير للإصابة بمرض المكورات الرئوية.
لقاح المكورات السحائية: هذا اللقاح جزء من جدول اللقاحات الروتينية. يُعطى للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عامًا، مع إعطاء جرعة معززة في سن 16 عامًا. يُعطى أيضًا للمراهقين الذين يدخلون المدرسة الثانوية إذا لم يتم تطعيمهم في سن 11 أو 12 عامًا مع جرعة معززة أيضًا في سن 16 إلى 18 عامًا أو أكبر. يُمكن أيضًا أن يحصل الأطفال الرضع والأطفال الصغار المعرضون لخطر متزايد على هذا اللقاح.
اللقاحات التي تحمي من الفيروسات مثل الحصبة والنكاف وجدري الماء والأنفلونزا يُمكن أن تمنع التهاب السحايا الفيروسي.
ما هي مضاعفات التهاب السحايا؟ لا يمثل التهاب السحايا الفيروسي خطورة، ولكن يرتبط الالتهاب السحائي البكتيري غير المعالج بمضاعفات خطيرة مثل إنتان (تسمم الدم) وهي حالة خطيرة للغاية وتحتاج إلى علاج فوري. في بعض الأحيان، يُمكن أن يُسبب التهاب السحايا مشكلات خطيرة أو طويلة الأمد، مثل: تلف في الدماغ، فقدان السمع، ونوبات صرع. يُمكن أن يُسبب التهاب السحايا أحيانًا مضاعفات أخرى، مثل المشكلات العاطفية والتعليمية والسلوكية.
في مجمل القول، فإن الالتهاب السحائي عند الأطفال حالة خطيرة ولا يجب التعامل معها بإهمال لأن مضاعفاتها قد تكون مهددة للحياة. لذا، ننصح بالتأكد من حصول طفلك على تطعيم الالتهاب السحائي لأن اللقاحات هي خط الدفاع الأول تجاه الأمراض، ولا تتردد في استشارة الطبيب في حال ظهور أي عرض مقلق أو قد يُشير لإصابته بالحمى الشوكية أو التهاب السحايا.






