مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، لم يعد الصراع يُقرأ فقط باعتباره مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل بات يُنظر إليه دوليًا بوصفه معركة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية وموازين النفوذ داخل السودان.
وفي هذا السياق، أثارت تقارير غربية حديثة موجة واسعة من التساؤلات بشأن تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية المتحالفة مع الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وسط تحذيرات من أن التحولات الجارية قد تعيد وجوهًا وتيارات ارتبطت بالنظام السابق إلى مركز القرار من جديد.
وتشير تحليلات وتقارير دولية إلى أن المكاسب العسكرية الأخيرة التي حققها الجيش السوداني لم تقتصر نتائجها على استعادة مناطق استراتيجية فحسب، بل أعادت أيضًا ترتيب توازنات القوى داخل المعسكر العسكري نفسه، مع بروز تيارات وتنظيمات ذات خلفيات عقائدية وسياسية باتت تمتلك تأثيرًا متزايدًا في المشهد.
نقطة تحول عسكرية وسياسي
تقول تقارير غربية إن استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم مطلع عام 2025 شكّلت نقطة تحول كبيرة في مسار الحرب، ليس فقط ميدانيًا بل سياسيًا كذلك.
وبحسب ما ورد في تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، ساهمت جماعات إسلامية مسلحة شاركت إلى جانب الجيش في تغيير معادلات المعركة على الأرض، خاصة خلال المواجهات العنيفة داخل العاصمة ومحيطها.
وبرز اسم كتيبة “البراء بن مالك” باعتبارها إحدى أبرز التشكيلات التي لعبت دورًا مؤثرًا في العمليات القتالية، وهي جماعة ذات خلفية عقائدية مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية.
ويرى مراقبون أن الأداء العسكري لهذه المجموعات منحها نفوذًا متصاعدًا داخل دوائر التأثير المحيطة بالمؤسسة العسكرية، لتتحول من مجرد مجموعات قتالية مساندة إلى طرف يمتلك وزنًا سياسيًا وأمنيًا متزايدًا.
شهادات تكشف اختراقًا للمؤسسة العسكرية
ولم تتوقف المخاوف الغربية عند حدود تنامي الدور الميداني، بل امتدت إلى الحديث عن جذور تاريخية لهذا النفوذ داخل الجيش نفسه.
وفي شهادات نقلتها تقارير دولية عن ضباط سابقين في المؤسسة العسكرية السودانية، جرى الحديث عن أن التداخل بين الولاءات السياسية والبنية العسكرية ليس جديدًا، بل يعود إلى سنوات طويلة سبقت الحرب الحالية.
ووفق هذه الروايات، فإن انتماءات سياسية وتنظيمية كانت حاضرة داخل مؤسسات الدولة منذ سنوات، وهو ما يفسر قدرة بعض التيارات على استعادة حضورها بقوة بمجرد تغير موازين الصراع على الأرض.
وتفتح هذه المعطيات باب التساؤلات حول مدى استقلال المؤسسة العسكرية في السودان، ومدى تأثير التوازنات السياسية الداخلية على قراراتها ومسارها المستقبلي.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية شديدة القلق إزاء التطورات الأخيرة، ووفق تقارير وتحليلات غربية، ترى واشنطن أن عودة الجماعات الإسلامية إلى دوائر النفوذ السودانية قد تمثل عاملًا إضافيًا يعقد مسارات التسوية السياسية ويطيل أمد الحرب.
كما تشير تقديرات سياسية إلى وجود مخاوف أميركية من تداخلات إقليمية أوسع، خاصة فيما يتعلق بعلاقات بعض التشكيلات المسلحة بدوائر دعم خارجية.
وخلال الأشهر الماضية، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة سياسية تتجاوز العقوبات ذاتها.
ويرى محللون أن تلك الخطوات تعكس تحولًا في النظرة الغربية للصراع، إذ لم تعد الأزمة تُختزل في الصدام بين الجيش والدعم السريع، بل باتت ترتبط أيضًا بهوية القوى الصاعدة داخل معسكرات القتال.
معضلة البرهان
وفي قلب هذه التطورات يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام معادلة تبدو شديدة التعقيد، فمن ناحية، يسعى قائد الجيش السوداني إلى تعزيز شرعيته الخارجية والحصول على دعم واعتراف دوليين باعتباره ممثل الدولة السودانية، لكن من ناحية أخرى، يعتمد ميدانيًا على قوى ساهمت بشكل واضح في تحقيق التقدم العسكري على الأرض.
ويرى خبراء أن هذه المعضلة تجعل من الصعب على البرهان اتخاذ خطوات جذرية لتقليص نفوذ تلك الجماعات أو إبعادها، خاصة في ظل استمرار المعارك واتساع رقعة المواجهات في عدة مناطق في السودان..
كما تشير تقديرات إلى أن أي محاولة لإعادة هندسة التحالفات داخل المؤسسة العسكرية قد تفتح جبهات جديدة داخل معسكر الجيش نفسه، وهو ما قد يزيد المشهد تعقيدًا.
ولا تتوقف التحذيرات الغربية عند حدود اللحظة الحالية، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد الحرب، فدوائر سياسية وإعلامية غربية ترى أن أي انتصار عسكري كامل للجيش قد يفتح المجال أمام عودة شخصيات وتيارات ارتبطت بنظام الرئيس السابق عمر البشير.
ويرى مراقبون أن الحرب الجارية ربما لا تعيد فقط تشكيل الخريطة العسكرية، بل قد تعيد أيضًا إنتاج شبكة النفوذ القديمة داخل الدولة السودانية بصورة مختلفة.
ويحذر محللون من أن مثل هذا السيناريو قد يضع السودان مجددًا أمام تحديات العزلة الدولية وتعقيد جهود الانتقال السياسي التي تعثرت مرارًا خلال السنوات الماضية.
الحرب بلا نهاية واضحة
وفي موازاة هذه التحولات السياسية والعسكرية، تتواصل الكلفة الإنسانية للحرب بصورة متصاعدة، فالأزمة السودانية تُصنف حاليًا ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا، مع استمرار نزوح الملايين وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، إلى جانب التدهور الحاد في الخدمات الأساسية والأوضاع المعيشية.
ومع توسع استخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة واتساع رقعة القتال، يبدو أن السودان يواجه مرحلة أكثر تعقيدًا، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع الصراعات السياسية والإقليمية.
وبينما تتواصل المعارك على الأرض، يبقى السؤال الأكبر مطروحًا: هل تقود الحرب إلى بناء دولة جديدة، أم إلى إعادة إنتاج مراكز القوى القديمة بأسماء وتحالفات مختلفة؟




