في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المغرب في بنيته الدستورية والسياسية، يجد البرلمان نفسه اليوم في قلب جدل واسع أثاره طرح مشروع قانون يُجرّم التشكيك في نزاهة الانتخابات، في خطوة عُرضت رسميا ضمن حزمة القوانين المنظمة للمنظومة الانتخابية استعدادا لاستحقاقات 2026. هذا الجدل لا يكشف فقط عن خلاف بين اتجاهين سياسيين وحقوقيين، بل يعيد طرح سؤال أعمق: هل يواجه المغرب تحدياً تشريعياً يلامس حدود السلطة التشريعية ووظيفتها الرقابية؟ وهل يعكس هذا المشروع حاجة لحماية العملية الانتخابية أم محاولة لإعادة ضبط المجال العام؟
انتشار المحتوى المزيف يهدد نزاهة الانتخابات
تقديم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت لمشروع القانون، وخاصة المادة 51 مكررة، جاء مرفوقا بتبريرات رسمية قوية تؤكد أن الهدف هو مكافحة الأخبار الزائفة التي تستغل وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي لتضليل الرأي العام. فمن منظور الحكومة، تطوّر تقنيات التلاعب بالمعلومات وانتشار المحتوى المزيف بات يهدد نزاهة العمليات الانتخابية، ويُسخّر للتأثير السياسي غير المشروع وتوجيه المزاج العام على أسس غير صحيحة. وعليه، فإن تجريم نشر الإشاعات أو الأخبار الزائفة بقصد التشكيك في نزاهة الانتخابات يُقدم على أنه إجراء وقائي لحماية المؤسسات وضمان تنافس شفاف وعادل. لكن هذه المبررات، رغم وجاهتها التقنية، لم تُقنع طيفا واسعا من السياسيين والحقوقيين، الذين يرون في النص القانوني محاولة لتقييد النقد السياسي المشروع و”خنق” النقاش العمومي حول العملية الانتخابية.
المفارقة التي أشار إليها القيادي بحزب العدالة والتنمية نبيل شيخي تكشف عن عمق هذا التوتر: فالقانون يحمل شعار حماية النزاهة لكنه يفتح الباب، بصيغته الحالية، أمام تأويلات واسعة تسمح للسلطة بتقييد حرية التعبير. يشير شيخي إلى أن مصطلحات من قبيل “الأخبار الزائفة” أو “التشكيك في المصداقية” تبقى غامضة وغير مضبوطة قانونيا، مما يجعل من السهل إسقاطها على انتقادات سياسية أو تقارير صحفية تكشف خروقات أو تدوينات مواطنين تتناول العملية الانتخابية. هذا الغموض – الذي يعادل في اللغة التشريعية “سيفاً ذا حدين” – يهدد بتحويل أي تعبير نقدي إلى جريمة تحتاج لإثبات النوايا لإسقاط العقوبة، وهو ما يتعارض مع المبادئ القانونية الراسخة التي تجعل الأصل في التعبير الحرية لا الاتهام.
نشر الشائعات المنظمة
ويتعمق هذا التخوف حين يُعاد النظر في السياق السياسي العام، حيث شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا كبيرا في عدد المتابعات القضائية للبرلمانيين المتورطين في فساد انتخابي. فقد جردت المحكمة الدستورية 29 عضوا من مجلس النواب بسبب خروقات انتخابية أو فساد مالي، فيما يتابع نحو 26 برلمانيا في قضايا مماثلة. هذه الأرقام، كما يشير شيخي، تؤكد أن الكثير من الشبهات التي أثيرت حول انتخابات 2021 لم تكن “أخباراً زائفة”، بل تحولت إلى وقائع مؤكدة في ملفات قضائية. وهو ما يعني أن المشكل الحقيقي لا يكمن في التشكيك بقدر ما يكمن في الممارسات التي تدفع المواطنين والفاعلين إلى فقدان الثقة.
من زاوية أخرى، يقدم المدافعون عن المادة 51 مكررة، كأستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس عباس الوردي، قراءة مختلفة. فبالنسبة لهم، أي تشكيك خارج دائرة المؤسسات المعنية بالطعن والرقابة القانونية يمثل خروجا عن قواعد المنافسة الديمقراطية السليمة. يؤكد الوردي أن القضاء الإداري هو الإطار الطبيعي لإثبات أو نفي أي خروقات انتخابية، وأن نشر الاتهامات عبر المنصات الرقمية دون أدلة يخلق حالة من الفوضى الإعلامية ويقوض ثقة الناخبين دون مبرر ملموس. كما يفترض أن الديمقراطيات الحقيقية لا تتعامل مع الشكوك غير المبنية على أدلة معتبرة، بل تحصر المخالفات في المساطر القانونية المعترف بها. ومن هذا المنطلق، يرى الوردي أن النص القانوني لا يهدف لتكميم الأفواه، بل لضبط المجال الرقمي الذي تحوّل إلى ساحة ضخمة لنشر الشائعات المنظمة، أحياناً بقيادة “ذباب إلكتروني” محلي أو خارجي.
تشديد العقوبات وتعزيز الشفافية
إلا أن هذا الطرح، رغم اتساقه القانوني، يصطدم بواقع سياسي واجتماعي حساس في المغرب، حيث يُنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره أحد المجالات القليلة التي يمكن للمواطنين التعبير فيها بحرية، خاصة في ظل تراجع الثقة في الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة. وترى رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سعاد البراهمة أن النص الجديد “يمس جوهر حرية التعبير”، مؤكدة أن القوانين الحالية كافية لمعاقبة القذف والسب والتشهير، ولا حاجة لتوسيع دائرة التجريم بنص فضفاض قد يستعمل لتقييد المجال العام. الأهم بالنسبة للفاعلين الحقوقيين هو أن تجريم التشكيك، حتى لو كان موجها ضد الأخبار الكاذبة، قد يحول دون توجيه النقد السياسي المشروع الذي يمثل أحد أهم أدوات الرقابة المجتمعية على الانتخابات.
وهنا يبرز التحدي التشريعي الحقيقي: كيف يمكن للمشرّع المغربي أن يوازن بين حماية نزاهة الانتخابات من جهة، وضمان حرية التعبير والنقد السياسي من جهة أخرى؟ هل يحتاج المغرب لحماية العملية الانتخابية بتشديد العقوبات أم بتعزيز الشفافية والرقابة المستقلة؟ هل يجب ضبط الفضاء الرقمي بالعقاب أم بالحق في الوصول إلى المعلومات وثقافة المساءلة؟
في عمق هذا النقاش، يظهر أن المغرب لا يواجه فقط تحدياً تشريعياً، بل برلمانياً ومؤسسياً أيضاً. فالبرلمان، الذي يفترض أن يكون فضاءً للتشريع الحر ومكانا للنقاش السياسي الهادئ، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب: إما أن ينحاز لتوجه حكومي يرغب في ضبط الخطاب الرقمي كرد فعل على توسع ظاهرة الأخبار المزيفة، أو أن يدافع عن هوية تشريعية قائمة على توسيع هوامش الحرية باعتبارها شرطاً أساسياً لانتخابات نزيهة بالفعل. هذا الاختبار لا يخص فقط التصويت على المادة 51 مكررة، بل يتعلق بمستقبل العلاقة بين السلطة التشريعية والفعل الرقابي المجتمعي، وبين حماية المؤسسات وضمان قدرة المواطنين على نقدها.
استقلالية القرار التشريعي
كما تكشف هذه القضية عن مأزق برلماني آخر: ضعف القدرة التشريعية المستقلة. فطرح القوانين الانتخابية من طرف الحكومة، لا بادرة البرلمان، يعيد تأكيد اختلال ميزان السلطة التشريعية لصالح الجهاز التنفيذي. وهو ما يجعل الجدل حول المادة 51 مكررة ليس فقط نقاشاً حول حرية التعبير، بل حول استقلالية القرار التشريعي نفسه. إذا مرّ القانون بصيغته الحالية دون تعديلات جوهرية، فقد يعكس ذلك برلماناً ضعيفاً في قدرته على تعديل توجهات الحكومة، ما يبرز تحدياً مؤسسياً يتجاوز حدود نص قانوني واحد.
لا يواجه المغرب مجرد جدل قانوني حول مادة مثيرة للجدل، بل تحدياً مركباً: كيف يبني منظومة انتخابية صلبة دون التضحية بالحريات؟ كيف يصوغ قوانين تحمي العملية الديمقراطية دون أن تخلق مخاوف من استخدامها ضد الأصوات الناقدة؟ وكيف يستعيد البرلمان دوره كمؤسسة مستقلة تشارك بفعالية في صناعة التشريع بدل الاكتفاء بالمصادقة عليه؟
هذه الأسئلة تؤكد أن المغرب يقف اليوم أمام لحظة مفصلية ستحدد شكل التوازن بين الدولة والمجتمع لسنوات قادمة.






