دخل اتفاق غزة مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما كشفت تقارير إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يعتزم مطالبة الحكومة بتبني ثلاثة شروط يعتبرها ضرورية لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، في خطوة قد تعيد رسم ملامح التفاهمات التي تم التوصل إليها برعاية دولية.
وتتمحور هذه الشروط حول الإبقاء على حرية العمل العسكري داخل قطاع غزة، وإسناد الإشراف على نزع السلاح إلى جهة دولية، والأهم اشتراط تفكيك سلاح حركة حماس بالكامل قبل تنفيذ أي انسحاب إسرائيلي من القطاع، وهو ما يمثل تحولًا جوهريًا في ترتيب مراحل الاتفاق.
اجتماع مرتقب لحسم موقف المؤسسة العسكرية
وبحسب هيئة البث الإسرائيلية “كان 11″، من المقرر أن يعقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، اجتماعًا مع كبار قادة المؤسسة العسكرية لبلورة موقف موحد بشأن الاتفاق، قبل رفع توصيات الجيش إلى المجلس الوزاري والحكومة لاتخاذ القرار النهائي.
وتؤكد التقارير أن هذه المطالب لا تزال في إطار توصيات المؤسسة العسكرية، ولم تتحول بعد إلى موقف رسمي للحكومة الإسرائيلية.
حرية العمل العسكري… مطلب يتجاوز وقف إطلاق النار
يتمثل أول مطالب الجيش في الاحتفاظ بما يصفه بـ”الحرية العملياتية” داخل قطاع غزة، بما يتيح للقوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات عسكرية أو غارات وعمليات اغتيال متى اعتبرت أن هناك تهديدًا أمنيًا وشيكًا.
ويرى مراقبون أن هذا الشرط يتعارض مع جوهر اتفاق وقف إطلاق النار، الذي ينص على وقف متبادل للعمليات العسكرية، مع إخضاع أي خروقات لرقابة لجنة دولية مختصة.
خلاف حول الجهة التي تشرف على نزع السلاح
أما النقطة الثانية فتتعلق بالجهة التي ستدير ملف الأسلحة داخل قطاع غزة.
فبينما تنص “خارطة الطريق” على أن تتولى لجنة فلسطينية انتقالية جمع الأسلحة الثقيلة وتخزينها تمهيدًا لحصرها بيد جهة فلسطينية واحدة، يرفض الجيش الإسرائيلي هذا الترتيب، ويطالب بأن تتولى جهة دولية أو خارجية مسؤولية الإشراف والرقابة على العملية بأكملها.
ويعكس هذا المطلب استمرار انعدام الثقة الإسرائيلية في أي ترتيبات أمنية فلسطينية داخل القطاع.
نزع السلاح أولًا… ثم الانسحاب
يبقى الشرط الثالث الأكثر تأثيرًا، إذ يطالب الجيش الإسرائيلي بعدم تنفيذ أي انسحاب من قطاع غزة قبل الانتهاء الكامل من نزع سلاح حركة حماس، مع رفضه كذلك الالتزام بانسحاب كامل في المراحل اللاحقة.
ويمثل هذا الطرح تغييرًا جذريًا في فلسفة الاتفاق، التي تقوم على تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي بشكل تدريجي ومتزامن مع تفكيك البنية العسكرية، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والأنفاق ومرافق التصنيع العسكري، تحت إشراف جهات دولية ولجنة فلسطينية انتقالية.
واشنطن تتمسك بالاتفاق دون مواجهة مع تل أبيب
في المقابل، تشير التقارير إلى أن الإدارة الأميركية تفضل معالجة الخلافات مع إسرائيل بعيدًا عن التصعيد الإعلامي، رغم تمسكها بخطة التنفيذ التي أُعلن عنها سابقًا.
وترى واشنطن أن الحكومة الإسرائيلية مطالبة بالالتزام بالتفاهمات التي وافقت عليها ضمن المبادرة الأميركية، إلا أنها لا تملك في الوقت الحالي وسائل ضغط مباشرة لإجبارها على تنفيذ جميع البنود.
ومع ذلك، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن الرئيس دونالد ترمب سيشعر بخيبة أمل كبيرة إذا تراجعت إسرائيل عن الالتزامات التي وافقت عليها خلال المفاوضات.
جهود دبلوماسية لاحتواء الخلاف
وفي محاولة لمنع انهيار الاتفاق، كثف “مجلس السلام” اتصالاته مع القيادة الإسرائيلية، حيث أجرى مديره العام، نيكولاي ملادينوف، لقاءات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعدد من كبار المسؤولين.
وبحسب مصادر إسرائيلية، شدد المجلس خلال هذه الاجتماعات على أن المبادئ الواردة في المرحلة الثانية ليست جديدة، وإنما تستند إلى تفاهمات وافقت عليها إسرائيل سابقًا مقابل المضي في صفقة تبادل الأسرى.
كما أفادت تقارير بأن المجلس طالب الحكومة الإسرائيلية بوقف العمليات العسكرية في قطاع غزة والالتزام الكامل بخارطة الطريق، محذرًا من أن أي تعديل أحادي قد يهدد مسار الاتفاق بأكمله.
مستقبل الاتفاق أمام اختبار صعب
تكشف التحركات الأخيرة عن تباين واضح بين الرؤية التي تتبناها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والآلية التي قامت عليها المرحلة الثانية من اتفاق غزة.
فبينما ينص الاتفاق على تنفيذ إجراءات الانسحاب ونزع السلاح بشكل متزامن ومتدرج، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى قلب هذه المعادلة، عبر جعل تفكيك سلاح حماس شرطًا مسبقًا لأي انسحاب، مع الاحتفاظ بحق التدخل العسكري داخل القطاع.
وفي حال تبنت الحكومة الإسرائيلية هذه المطالب، فإن المرحلة الثانية من الاتفاق قد تواجه مفاوضات جديدة أو تأخيرًا في التنفيذ، بما يعيد الأزمة إلى نقطة خلاف أساسية حول ترتيب الالتزامات الأمنية والسياسية، ويضع مستقبل الاتفاق أمام اختبار دقيق في ظل استمرار الجهود الدولية للحفاظ على وقف إطلاق النار.






