تبدو إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، متجهة نحو مرحلة جديدة من التصعيد في قطاع غزة، وسط مؤشرات متزايدة على تراجع فرص التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات، وتقدّم خيارات الحسم العسكري على الطاولة السياسية. تصريحات نتنياهو الأخيرة، التي أكد فيها ضرورة «تحقيق كل أهداف الحرب» عبر الاستمرار في القتال، تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي نحو تبنّي واضح لخيار توسعة الحرب، وصولاً إلى احتلال كامل للقطاع، وهو ما نقله عدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية عن مصادر في مكتبه.
إعادة احتلال غزة
التحول في الخطاب الإسرائيلي، من التفاوض نحو الحسم العسكري، يعكس قناعة تتشكل لدى صناع القرار بأن المفاوضات غير المباشرة مع حركة «حماس» وصلت إلى طريق مسدود، وهو ما عبّر عنه مسؤولون إسرائيليون بشكل مباشر حين قالوا إن «حماس ليست مهتمة بالتوصل إلى اتفاق»، مؤكدين أن الخيار العسكري بات «السبيل الوحيد» لتحقيق هدفين أساسيين: إطلاق سراح الرهائن، وتصفية القوة العسكرية للحركة.
التحذير من عملية عسكرية شاملة ليس مجرد تهديد تكتيكي، بل يأتي مدعومًا بمواقف رسمية تمهد لتغيير جوهري في سياسة الاحتلال تجاه غزة. التسريبات عن اجتماع مجلس الوزراء الأمني المصغر، الذي يناقش مسار الحرب وخيارات السيطرة الكاملة على القطاع، تكشف عن نية حقيقية لإعادة احتلال غزة، وهي خطوة تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية وأمنية عميقة، ليس فقط تجاه الفلسطينيين، بل في علاقات إسرائيل مع الحلفاء الدوليين، خاصة الولايات المتحدة.
نزع سلاح حماس
رغم المساعي التي يقودها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، والحديث عن تفاهم ناشئ بين واشنطن وتل أبيب بشأن شروط إنهاء الحرب، إلا أن إسرائيل تبدو غير مستعدة للقبول بأي هدنة طويلة الأمد ما لم تترافق مع ما تسميه «نزع سلاح حماس» وضمانات أمنية كاملة. وهذه الشروط، بطبيعتها، تقوض أي صيغة تفاوضية مرنة، وتعيد إنتاج شروط المنتصر المهيمِن بدلًا من مقاربة واقعية لإنهاء الحرب.
في ظل هذه التطورات، يظهر نتنياهو عازمًا على استثمار اللحظة السياسية لإعادة تشكيل واقع غزة بالقوة، مدعومًا بتيار صقوري داخل حكومته يرفض أي تنازل أو تسوية. التحذير الموجه لرئيس أركان الجيش بأنه “يمكنه الاستقالة إذا رفض التوجه نحو احتلال القطاع” يؤكد حجم الضغوط التي تُمارس داخل المؤسسة الإسرائيلية باتجاه تجاوز أي ممانعة عسكرية محتملة لتنفيذ هذا السيناريو المكلف.
وفي المقابل، تبدو واشنطن مترددة في فرض ضغوط كافية على إسرائيل، رغم تعاظم الخسائر الإنسانية في غزة، التي تجاوز عدد ضحاياها 60 ألفًا، وفق بيانات وزارة الصحة في القطاع. وقد عكست تصريحات المسؤولين الأميركيين تناقضًا بين دعمهم لمبادرة تهدئة من جهة، وتفهُّمهم المتزايد للموقف الإسرائيلي المتشدد من جهة أخرى.
مشروع سياسي متكامل
التحول من خيار الهدنة إلى خيار الحسم العسكري يضع مستقبل غزة أمام مفترق خطير، وقد يدخل المنطقة برمتها في دوامة طويلة من المواجهات المفتوحة، خاصة مع احتمال امتداد العمليات إلى مناطق يُحتجز فيها الرهائن، وهو ما ينذر بتصعيد غير مسبوق وخسائر مدنية جسيمة. كما أن خيار الاحتلال الكامل، إن تم تنفيذه، سيعيد إنتاج النموذج الكارثي لما قبل انسحاب 2005، ويقوّض أي أمل واقعي في حل الدولتين أو تهدئة دائمة.
في هذه اللحظة المفصلية، لم تعد الحرب في غزة مجرد عملية عسكرية، بل مشروع سياسي متكامل لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي في القطاع بالقوة، على حساب كل مسارات التفاوض والوساطة، وبثمن إنساني باهظ يدفعه المدنيون في غزة أولًا، والمنطقة بأكملها لاحقًا.






