خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تضمن إشارات متناقضة بين الحديث عن “حماية المدنيين” في غزة وبين الإعلان عن قصف ميناء الحديدة في اليمن، يعكس طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه المرحلة من الحرب: مزيج من تبرير العمليات العسكرية داخليًا وخارجيًا، ومحاولة إعادة صياغة صورة إسرائيل كضحية محاصرة من “شبكة أعداء” تمتد من غزة إلى الدوحة وصولاً إلى صنعاء.
اتساع دائرة المواجهة الإسرائيلية
في مقطع الفيديو الذي بثه مكتبه من داخل مخبأ قيادة الجيش في تل أبيب، حاول نتنياهو الظهور بمظهر القائد الممسك بزمام المعركة، مشددًا على أن الهدف هو هزيمة “العدو” مع العمل على إجلاء المدنيين. غير أن الواقع الميداني، المتمثل في قصف الأبراج والمناطق السكنية في غزة، يتعارض بوضوح مع هذا الخطاب، وهو ما يجعل تصريحاته أقرب إلى محاولة لتخفيف الضغط الدولي المتزايد على إسرائيل في ظل اتهامات بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب.
الهجوم على ميناء الحديدة، وربطه المباشر بملف غزة، يكشف اتساع دائرة المواجهة الإسرائيلية إلى الساحات الإقليمية. فنتنياهو أراد إرسال رسالة مزدوجة: الأولى، أن إسرائيل لن تتردد في ضرب أي مصدر دعم لحركات تعتبرها معادية، حتى لو كان خارج حدودها المباشرة؛ والثانية، أن الحرب في غزة ليست سوى جزء من صراع أوسع مع ما يسميه “محور الإرهاب” الممتد من إيران إلى الحوثيين. هذه الرسائل تستهدف في الأساس الجمهور الداخلي الإسرائيلي، لتعزيز فكرة أن الجيش يقاتل على أكثر من جبهة دفاعًا عن الأمن القومي.
تمويل حماس
من زاوية أخرى، استغلال نتنياهو لملف الرهائن الإسرائيليين في غزة يمثل ركيزة أساسية في خطابه السياسي والإعلامي. التحذير المباشر لـ “حماس” من إيذاء الرهائن، والربط مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعكس إدراك الحكومة الإسرائيلية لحساسية هذا الملف داخليًا، خاصة مع استمرار احتجاجات عائلات الرهائن في الشارع الإسرائيلي. هذا البعد الداخلي يضغط بشدة على القيادة السياسية والعسكرية، ويجعل أي تأخير في استعادة الرهائن أو حمايتهم ثغرة يمكن أن تهدد بقاء الحكومة.
في المقابل، تحميل نتنياهو قطر مسؤولية “تمويل حماس” يمثل جزءًا من استراتيجية عزل الحركة الفلسطينية إقليميًا وإلقاء اللوم على داعميها المفترضين. إلا أن هذا الخطاب لا يخلو من حسابات سياسية مرتبطة بالعلاقات المعقدة بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، إذ تسعى تل أبيب إلى استغلال التوترات لإعادة تموضع نفسها في المنطقة بوصفها طرفًا يواجه التهديدات التي قد تطال شركاءها الإقليميين.
تبرير التوسع العسكري
أما ما يتعلق بدعوته إلى إنشاء “صناعة أسلحة مستقلة”، فهو مؤشر على قناعة إسرائيلية متزايدة بأن القيود الدولية والضغوط الغربية قد تعيق استمرار العمليات العسكرية طويلة الأمد، خصوصًا في حال تصاعد الانتقادات لمستوى الدمار الإنساني في غزة. بالتالي، يحاول نتنياهو توظيف الأزمة كفرصة لتعزيز الاكتفاء الذاتي العسكري، وتقديم ذلك كدرس مستخلص من أحداث 7 أكتوبر 2023.
يمكن قراءة تصريحات نتنياهو كمزيج من الدفاع الاستراتيجي والتسويق السياسي: دفاع يسعى إلى تبرير التوسع العسكري والضربات الخارجية تحت شعار مواجهة “الإرهاب”، وتسويق يستهدف الشارع الإسرائيلي والرأي العام الدولي عبر التركيز على قضية الرهائن وحماية المدنيين. إلا أن التناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال على الأرض، خاصة في غزة حيث تتواصل عمليات التهجير والقصف الكثيف، يضعف مصداقية هذا الخطاب ويجعل إسرائيل أمام معضلة متنامية في تبرير سياساتها أمام المجتمع الدولي.






