تشير التطورات الأخيرة في محافظة السويداء جنوب سوريا إلى تصاعد خطير في تعقيدات الأزمة الأمنية والإنسانية، وسط فوضى ميدانية عارمة ناجمة عن انفلات السيطرة وتعدد الجهات المسلحة غير المنضبطة. وبحسب مصدر حكومي سوري تحدث لقناة الجزيرة، فإن المدينة تشهد حالياً حالة من الشلل المؤسسي بفعل هيمنة مجموعات مسلحة تمنع وصول مؤسسات الدولة وتعرقل تقديم الخدمات العامة، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية للسكان.
عمليات إعدام ميدانية
البيئة الميدانية، كما يعكسها التصريح الحكومي، تتسم بانعدام شبه تام للأمن، لا سيما بعد ورود معلومات استخباراتية عن عمليات إعدام ميدانية، وسط صعوبة وصول وزارة الصحة لتوثيق هذه الجرائم، بسبب حظر المجموعات المسلحة لأي نشاط رسمي داخل مناطق سيطرتها. هذه المعطيات تشير إلى حالة من الفراغ القانوني وانهيار شبه كامل لبنى الحوكمة، الأمر الذي يُعقّد أي مساعٍ إنسانية أو طبية، سواء كانت حكومية أو دولية.
كما يُظهر المشهد أن المعضلة تجاوزت نطاق الاشتباكات التقليدية، لتتحول إلى أزمة إنسانية مركبة، تتضمن عمليات اختطاف مثل حادثة احتجاز أحد متطوعي “الخوذ البيضاء”، ومنع قوافل المساعدات الإنسانية من دخول السويداء، الأمر الذي يعكس توجهاً من بعض الجهات لفرض نوع من الحصار الداخلي أو استخدام ورقة المعونات كأداة ضغط سياسية وميدانية.
مئات القتلى خلال أسبوع
وفي ظل هذه التوترات، لجأت السلطات السورية إلى عمليات إجلاء عاجلة، شملت نحو ألف عائلة من مناطق الاشتباك إلى محافظة درعا المجاورة، مع التأكيد على استمرار وجود عشرات العائلات المحاصرة التي لا تزال غير قادرة على المغادرة. غير أن المشكلة لا تقتصر على الخروج من مناطق الخطر، بل تمتد إلى التحديات الكبيرة التي تواجه مراكز الإيواء التي استقبلت نحو 150 ألف نازح، حيث أفاد المصدر الحكومي بوجود تقصير من قبل المنظمات الدولية في توفير الدعم الكافي، محملاً إياها مسؤولية مباشرة عن تفاقم معاناة النازحين.
وفي سياق متصل، يبدو أن محاولات التهدئة بين الأطراف المتنازعة لم تحقق النتائج المرجوة، حيث فشلت ثلاث اتفاقات من أصل أربعة لوقف إطلاق النار، ما يعكس هشاشة التوافقات المحلية وصعوبة فرض أي حل مستدام في ظل البيئة الأمنية المنفلتة. هذا الواقع يؤكده بيان الشبكة السورية لحقوق الإنسان الذي تحدث عن مئات القتلى خلال أسبوع واحد فقط من الاشتباكات، ما يكرّس طبيعة النزاع بوصفه صراعاً أهلياً داخلياً ذا طابع طائفي وقبلي، بين مجموعات درزية وأخرى من العشائر البدوية.
مرحلة انتقالية
تأتي هذه التطورات في مرحلة حرجة تعيشها البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، حيث تسعى الإدارة الجديدة إلى احتواء التدهور الأمني وإعادة ترميم ما يمكن من مؤسسات الدولة، إلا أن المعطيات الواردة من السويداء تعكس التحديات الجسيمة التي تواجهها، والتي تبدأ من فرض سلطة الدولة على الأرض، ولا تنتهي عند التعامل مع التشظي الاجتماعي والأمني والسياسي العميق الذي راكمته سنوات الصراع السابقة.
يبدو أن أزمة السويداء تعكس نموذجاً مصغراً لأزمة وطنية أشمل، تتداخل فيها أبعاد أمنية وسياسية وإنسانية، في وقت لا تزال فيه الدولة السورية في طور إعادة التشكل بعد مرحلة انتقالية لا تزال تفتقر إلى الاستقرار الكامل.






