تضع صور الرهائن الإسرائيليين الذين بدت عليهم آثار الجوع الشديد، والتي بثتها حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، القيادة الإسرائيلية في مأزق داخلي متصاعد، يعيد تحريك ملف التهدئة والرهائن من جديد، في ظل جمود يخيّم على المفاوضات منذ أواخر يوليو الماضي. وقد بات هذا الملف، وفقًا لما تشير إليه التحركات السياسية والإعلامية الأخيرة، نقطة ارتكاز للصراع بين خيارين متناقضين: التوجه نحو صفقة تبادل جزئية ومحدودة، أو الذهاب إلى تصعيد عسكري واسع قد يشمل احتلال أجزاء جديدة من غزة أو حتى القطاع بالكامل.
ضغط شعبي على حكومة نتنياهو
الصور التي ظهرت في مقاطع فيديو لرهينتين إسرائيليتين بحالة إعياء جسدي ونفسي بالغ، دفعت بالشارع الإسرائيلي إلى التحرّك بقوة، حيث تظاهر عشرات الآلاف في تل أبيب مطالبين بضرورة الإسراع في إبرام صفقة تضمن الإفراج عن جميع الرهائن، وهو ما اعتبره مراقبون ضغطًا شعبيًا استثنائيًا على حكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه بالفعل انتقادات داخلية متزايدة بسبب فشلها في إنهاء الحرب وتحقيق أي اختراق حقيقي في ملف الرهائن.
في المقابل، يتبنى نتنياهو خطابًا مضادًا، يُحمّل فيه «حماس» مسؤولية تعثر أي صفقة، ويستخدم نشر الصور كدليل على قسوة الحركة وسوء نواياها، مؤكدًا أن هذه المقاطع لم تضعف من موقفه، بل زادت من إصراره على «هزيمة حماس» واسترجاع الرهائن بالقوة. هذا التوجه يتقاطع مع تسريبات تفيد بإمكانية لجوء إسرائيل إلى خيارات أكثر تطرفًا، منها حصار المناطق التي يُعتقد بوجود الرهائن فيها، أو تنفيذ عمليات اقتحام شاملة حتى داخل معاقل الحركة، في مسعى لتحريرهم بالقوة.
سيناريو العودة إلى طاولة المفاوضات
ورغم هذه اللهجة المتشددة، تشير قراءات ميدانية واستراتيجية إلى أن سيناريو العودة إلى طاولة المفاوضات أكثر ترجيحًا، ولو بشكل تكتيكي ومحدود. فخبراء مثل اللواء سمير فرج يرون أن نتنياهو قد يضطر للقبول بصفقة هدنة جزئية مدتها 60 يومًا، يضمن من خلالها إطلاق عدد من الرهائن، مقابل تقليل الضغط الداخلي، وتفادي تصعيد عسكري قد يعرّض حياة الرهائن للخطر، ويضعه في مواجهة موجة غضب شعبي أوسع.
في هذا السياق، تعزز الولايات المتحدة حضورها في المشهد، حيث يعمل مبعوثها ستيف ويتكوف على دفع رؤية «شاملة» تنهي الحرب وتعيد هيكلة الواقع الأمني والسياسي في غزة، غير أن هذه الخطة تصطدم بجدار صلب من التعقيدات، أبرزها مطلب إسرائيل بنزع سلاح حماس، وهو الشرط الذي ترفضه الأخيرة بشكل قاطع، معتبرةً أنه لا يمكن الحديث عن مثل هذا الطرح قبل قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
تدويل قضية الرهائن
اللافت أن حماس أبدت، عبر جناحها العسكري، استعدادًا للتجاوب مع جهود إنسانية لإدخال الغذاء والدواء للرهائن، ولكن بشرط أن يُفتح المجال الإنساني لسكان غزة بأكملهم، ما يؤكد أن الحركة تسعى لاستثمار الملف الإنساني سياسيًا، وتوسيع دائرة الضغط على إسرائيل دوليًا ومحليًا.
المشهد الراهن يحمل إذًا مزيجًا متفجرًا من الانسداد السياسي والتوتر الشعبي والضغط الدولي. إسرائيل تحاول نقل الملف إلى مجلس الأمن الدولي، في مسعى لتدويل قضية الرهائن ودفع المجتمع الدولي إلى الضغط على «حماس»، بينما ترد الأخيرة بتصعيد إعلامي ورسائل نفسية موجهة للرأي العام الإسرائيلي، عبر نشر المقاطع المصورة التي تمثل سلاحًا ناعمًا لكنه فعّال.
صفقة شاملة
وفي الوقت ذاته، تتواصل الكارثة الإنسانية في القطاع، مع سقوط المزيد من الضحايا بسبب المجاعة والهجمات الإسرائيلية، ما يضاعف من تعقيدات المشهد، ويزيد من الضغوط على الوسطاء الإقليميين والدوليين الذين يسعون إلى إنقاذ ما تبقى من مسار تفاوضي هش.
ضمن هذه المعادلة المعقدة، يرجح مراقبون أن يُضطر نتنياهو إلى تقديم تنازلات محدودة لتخفيف الضغط الداخلي، دون الذهاب إلى صفقة شاملة قد تهزّ مكانته أمام شركائه في اليمين المتشدد. ويبدو أن الأسبوع الجاري سيكون مفصليًا في حسم المسار، إذ ستتضح ملامح التوجه الإسرائيلي، بين استمرار حالة الجمود، أو الانخراط في هدنة جزئية مشروطة، تحفظ ماء وجه الحكومة، وتوفر هامشًا لالتقاط الأنفاس في الداخل الإسرائيلي، بينما تبقي باب المواجهة مفتوحًا في القطاع المنهك.






